المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ضع لها عنوان



الشريف
13-08-2008, 22:58:56
قبل أن يبزغ الفجر كان مؤذن مدينة وادان يجلس على بقايا جذع نخلة ملقى على مقربة من باب المسجد الغربي بين أكوام حجارة صلبة بقيت وفية منذ تأسيس هذا المسجد لجميع من عرفتهم أو عرفوها
ولم تتغير رغم صروف الدهر وعواد الزمن رغبة في مجاراة التغيير الذي حدث في اخلاق سكان هذه القرية الجدد وقيمهم، مستديرا نحو القبلة شاخصا ببصره إلى السماء مستسلما لأسئلة لا حصر لها بدأت تنهال على ذاكرته تترى بحيث لا تدع له مجالا للتفكير ما مصير ساكني هذه الدور كيف هدأت حركتهم وتهاوت منازلهم لتصبح أطلالا هامدة ليس فيها إلا أشباح الجن كما يقول السكان الجدد، كيف يموت الناس ويبقى مابنوه قائما وما عملوه من أعمال صالحة أو سيئة حاضرا يخبرك به هذا ويحدثك عنه ذاك؟ لماذا يصنع الناس الشر خلسة ثم تظهر أخبارهم فيموتون وتبقى المعرة؟
كيف بقي هذا الجذع الذي أجلس عليه صامدا رغم أن من قطعه وأتى به إلى هنا قد مات؟ هل جذوع النخيل أقوى من الإنسان؟ أم أن هذا الجذع جزء من عمل الخير الذي يبقى جاريا على فاعله وهو مدفون في قبره؟ لماذا يقبل هذا الجذع أن يجلس عليه القوي والضعيف والعالم والجاهل والغني والفقير؟ ثم لماذا استوطن الناس هذه المدينة التي يلفها الظلام وتلبس الوحشة ؟ ألأنها مدينتهم؟ كيف صارت مدينتهم ؛ لأنهم ألفوها كيف ألفوها وأحبوها؟ لقد جاءها آباؤهم أو أجدادهم من مكان ما من هذه الأرض الواسعة ؟ ثم قفزت إلى ذهنه خاطرة قطعت عليه تفكيره فأحس أنه غريب على هذه المدينة غربة سكانها عليها. لكن كيف يدعي سكان هذه المدينة أنهم أهلها وهم لايعرفون من بنى هذا المسجد ولا من تبرع بجذوع النخيل التي ترفع السقف ولا من وضع هذه الحجارة هنا ليستريح عليها المصلون قبل أن يدخلوا باحة المسجد، لماذا نحب هذا الأطلال الخربة وتلك الحجارة الصم ونشعر وكأنها واحد من أبنائنا أو أحفادنا؛ ألأن هذا الشعور يمنحنا طمأنينة نفسية كلما أعيانا التطواف في مهامه صحراء موريتانيا الموحشة حيث يسلب اللصوص المسافرين أمتعتهم وأموالهم، ولكن لماذا نجد أهل البادية أيضا يحبون مرابع صباهم من زمن حسان بن ثابت رضي الله عنه إلى محمد بن الطلبة رحمه الله.
إن وادان بالنسبة إلى هذا المؤذن ليست مجرد هذه الجدران التي كانت تبنى من الطين ثم استبدله الأغنياء بالأسمنت ولا هذه الأطلال الخربة ولا واحات النخيل ولا هؤلاء الأناسي الذين يعمرونها بل هي ذلك الشعور الوجداني والإحساس الخفي الذي يغمره بالسعادة كلما رأى طللا هنا أو جذعا رميما هناك إنه يشعر في رحاب هذه المدينة بأنه طفل صغير يأوي إلى حضن أمه ينشد الأمن والحنان فتفتح له ذراعيها لينام قرير العين، لا يخاف شرطة ولا لصوصا أو مخابرات.
لما ذا صارت هذه المدينة أكثر وفاء من سكانها الجدد؟ حيث بقيت وفية لجميع أبنائها الأخيار منهم والفجار الأحياء منهم والأموات تستبطن تاريخهم وتحتضن تراثهم في شوق وتأبى أن تسلمه للمتربصين رغم الشيخوخة البادية على محياها.
وبعد أن أتم وضوءه ترك نعليه في الطريق عند باب المسجد ثم ولج باحة المسجد وهو يردد " اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي ابواب رحمتك "ومشى مسرعا على حصباء فناء المسجد التي كانت ترقص تحت قدميه، وبدأ يصعد درجات منارة الجامع التي تتنتصب مزهوة بقدها الساحر الذي يبلغ ثمانية وعشرين ذراعا والمبنية من حجارة هذه المدينة وطينها ليرفع آذان الفجر موقظا النيام بصوته الشجي الذي ما إن يلامس آذان النائمين حتى يستيقظوا مستبشرين يمسحون وجوها تعلوها إشراقة إيمانية، ثم يتوافدن إلى المسجد وعندما يلتقي أحدهم بشخص في زقاق المدينة لا يخافه ؛ لأنه يعرف أن هذه المدينة ليس فيها شرطة ولا لصوص ولا مخابرات فلا يتحرك في هذا الوقت إلا عمار المسجد أو أصحاب حدائق النخيل وعندما يحيي أحد أخاه في ذلك الظلام الدامس يعرفه بصوته ويرد عليه السلام دون أن يتوقف أحدهما.
ولما استوى قائما فوق المنارة وانهى الأذان ثم أتبعه تلك العبارات الرقيقة التي تتحدث عن الموت والبعث والنشور خطر بباله أن ينظر عله يرى منارة مسجد شنقيط التي تبعد عنه 90 كم ليطمئن على أن تراثها العلمي لم يسرق في هذا الزمن الرديئ كما حدث لتراث هذه المدينة التي سرقوا تراثها - بما في ذلك مروج الذهب للمسعودي المكتوب على رق الغزال - وتركو الآخر سدى لينهبه اللصوص الأوربيون ويعبث به الأطفال والجهلة ثم ذبحوها وحرقوا جسمها وبعثروا رمادها في الهواء بعد أن استعصى دفنها حية لأنها تتربع على هضبة تأبى أن تركع لغير الله ؛ أما مدينة شنقيط فقد دفنوهاحية وضنوا عليها بكفن من ثروتها الكبيرة يستر جسمها وبخلوا عليها بقبر من أرضها التي مازالت تحمل اسمها إلى الآن، وفجأة أطل عليه صوت حزين يجهش بالبكاء فعلم أنه صوت تلك الفتاة اليتيمة التي بقيت من سكان المدينة الأصليين والتي خطبها رجل مغرور بغناه الفاحش وترفه المفسد ليس له دين ولا علم ولا مجد فالمال عنده هو الدين والأصل والنسب والحسب ولا تضاهيه إلا القوة فتقدم لخطبة هذه الفتاة فرفضته لأنها شريفة رغم فقرها ويستحيل أن تتزوج من ليس كفئا لها؛ فقد قال لها والدها قبل موته بأيام" إن الموت لا يقتل القيم والفضائل ولا يمحو التاريخ أو يستر المعرات وإنما يقتل الأحياء فقط ، ولكن الناس هم الذين يقتلون القيم والفضائل والتاريخ" وأن الآخر يستطيع أن يمنعك من الحركة وحتى أن يقتلك ولكنه لا يستطيع مهما أوتي من قوة أن يفرض عليك قيمه وأفكاره وأراءه
ثم نزل من المنارة وركز بصره باتجاهها ليطمئن على أنها مازالت منتصبة صامدة في استقامتها وأن الأمطار لم تؤثر فيها، فلم ير شيئا لقد تلاشت كما يتلاشى عمود الدخان ، مد بصره نحو منارة مسجد شنقيط فلم ير شيئا قرر مغادرة مدينتي وادان وشنقيط الساحرتين بجمالهما الغنيتين بتراثهما إلى نواقشوط فوجد قرية كبيرة جدا أكبر من المدن ولكنها قرية لا يوجد فيها طعم المدن ولا حلاوة البادية أحياؤها متناثرة ليس بينها أي تناغم أو تجانس ولا يلقي سكانها السلام على من لا يعرفونه ولا يشعرون في أحضانها بالأمان، إنها قرية تجمع كل شيء في نشاز غريب .
حاول عبد الله أن يدخل هذه القرية الكبيرة التي ليس لها أبواب فتذكر أن من السنة أن يبدأ بالصلاة في المسجد، ولكن أين يضع أمتعته، يضعها في أحد الفنادق إن الفنادق خالية، أم يضعها في أقرب جمعية خيرية أوناد ثقافي، إنها مغلقة، قرر أن ينزل عند ابن عمه الدكتور محمود ولد الهادي طرق الباب ثلاث مرات متتالية - لم يكن عند الباب منبه ولا فتحة صغيرة - يتخللها انقطاع بين الطرقة والطرقة، ..... سمع نحيب طفل في الخامسة من عمره يقول الشرطة الشرطة يريدون أن يخطفونني كما خطفوا أبي.
- لا تخف يا بني أنا عمك عبد الله
خرجت زوجة الدكتور محمود تمسح دموعها بيديها المتعبتين فقال لها مابك يا خديجة؟
فقالت الدكتور - لم تكن تقدر أن تنطق اسم زوجها لأن ذكر اسم الزوج فضيحة في عرفهم - أخذه الشرطة منذ ستتة أشهر ولا نعرف عنه خبرا. . . ثم كففكفت دمعها وقالت تفضل تفضل
-لا سأذهب إلى المسجد ولكن أدخلي هذا المتاع .
-لكن أسمحي لي نسيت أن أسألك عن حال أحمد سمعت أنه أصيب بمرض الكوليرا؟
-لقد مات عظم الله أجرنا فيه.
-كيف؟
-هذا مرض انقرض منذ زمن بعيد وعلاجه بسيط جدا
لكن الأطباء كلهم ذهبوا لاستقبال الرئيس في زيارته الأخيرة لمدينة " تنيكي"
فانطلق عبد الله إلى المسجد الذي كان منه على مرمى حجر، عندما وصل باب المسجد ترك نعليه عند الباب كما كان يصنع في مسجد وادان، ثم دخل المسجد فوجد الناس في الركعة الأولى من صلاة المغرب كبر معهم ثم أطرق ببصره وأخذ لا ينظر إلا إلى موضع سجوده ولا يرفع رأسه وهو يستمع في إخبات إلى ترتيل الإمام فلما وصل الإمام إلى قوله تعالة { اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } انقطع صوته ، فظن عبد الله أن الإمام ممن يسكتون بين الفاتحة والسورة، ثم دام صمت الإمام حوالي ساعة رفع عبد الله رأسه ثم صوبه إلى المحراب حيث كان الإمام يقف فلم يره أتم صلاته بسرعة، ثم التفت فوجد أن بعض المصلين هربوا من المسجد ولم يتموا صلاتهم، انصرف مسرعا يبحث عن نعله فوجد كثيرا من المصلين يحملون نعالهم في أيديهم وهم يتدافعون للخروج من المسجد ورأى مصلين آخرين يقفون حيارى عند باب المسجد يبحثون عن نعالهم التي سرقت ، أدرك عبد الله أن نعله قد سرق سألهم عن الإمام فقالوا له اقتادته الشرطة إلى سجن بيلا 3 فقال لماذا لم تتركه حتى يتم صلاته وبعد ذلك تقدم له الاستدعاء؟ وكيف تجرء الشرطة على دخول المسجد بأحذيتها ؟ فقام أحد المصلين بالقبض على عبد الله
-أتركني عنك
كان عبد الله يسمع أن مدينة نواقشوط مليئة باللصوص لهذا كان حذرا
-لا لن أتركك تفر أنا أنا أنا ضابط ... أنا أنا الدولة
-لماذا أفر؟
-الشرطة تريدك
-تريدني وهي لا تعرفني ولا أعرفها
-سترى سترى سترى المخربون الإرهابيون المتطرفون الإصوليون المعارضة
لما وصل عبد الله إلى سجن بيلا 3 وجد الإمام وكثيرا من المثقفين والكتاب داخل هذا السجن فظن أنهم حضروا للصلاة على ميت لقد نسي قول خديجة وقصة ابن عمه الدكتور محمود، سمع أحد الحاضرين يقول لقد ضمنت لنفسي الطعام والشراب والأمن دون مقابل.
تقدم ضابط برتبة عقيد إلى عبد الله
سأله عن اسمه واسم أبيه وتاريخ ميلاده وعن قبيلته
لم يطلب الضابط من عبد الله أن يقدم له بطاقة الهوية
-ماذا تعرف عن حسن قطب؟
-ضحك عبد الله لم يسمع بهذا الإسم في حياته
وقال له إن الحسن هو قطب هذه الحياة وسر وجودها والحياة لا تكون حسنة حتى تتساوق مع نظام هذا الكون، حيث لا يظلم نجم نجما ولا تعتدي شجرة على شجرة ، ولا يعترض حيوان سبيل حيوان آخر إلا إذا كان ذئبا، الحسن هو كل شيء جميل في هذا الوجود وقطبه أن يتحقق الخير ويسود العدل ويزول الشر وينتفي الظلم والجور
-لا أنا أسألك عن مؤسس جماعة الدعوة والجهاد
لا توجد جماعة للدعوة والجهاد فالمسلمون كلهم مأمورون بالدعوة إلى الخير والسلم و العدل و الأخوة والمحبة والوفاء وإلى جهاد الشر والظلم والتفرقة والأحقاد والإحن .
أنا أسألك عن رجل يقال له حسن قطب
من أي قبيلة ؟
-صاحب الظلال
تعني أنه ولي من أولياء الله له ظلال كثيرة وليس ظلا واحدا كبقية البشر؟
-لا هو أحد أتباع تقي الدين الألباني من السعودية
-أنا لا أعرف شيئا عن هذا الرجل
إنه سعودي أو مصري أو فلسطيني أردني أو سوري المهم اسمه حسن قطب مؤسس حزب الدعوة والجهاد ووو إخواننا المسلمون
-لا أعرفه
جمع الضابط أصابع يديه الخمسة ثم وكز بها عبد الله على الوجه حتى سقط على الأرض ثم أعاد له الأسئلة، فأعاد عبد الله نفس جوابه
ظن عبد الله أنه وقع في أيد عصابة من لصوص نواقشوط التي كان يسمع بها.
وبعد أن أخذ قسطه من اللكمات والوكز سحبوه إلى زنزانة وسخة فرأى رجلا يضحك
-ما الذي يضحكك؟
-لأني أجلس في غرفة كان يجلس فيها أحد رؤساء موريتانيا وأنا .....
أنت مجنون
هل يعقل أن يجلس أحد رؤساء موريتانيا في هذه الغرفة أو يدخلها فهل ضاقت مساحة موريتانيا بحيث لا يجد فيها رئيسها مكانا يجلس فيه إلا هذه الزنزانة
-هو لم يدخل وإنما أدخل.
-وهل الموريتانيون جهلة إلى هذا الحد بحيث لا يعرفون أن السجن أعد لتأديب منتهكي القانون لا لمعاقبة حماة القانون .
-المهم هذا المكان كان يجلس فيه أحد رؤساء موريتانيا
بعد دقائق أدخل عليهم رجل وسيم فقام له الرجل وسلم عليه
هل أنت وزير من وزراء موريتانيا؟
..لا
-من أنت ؟
أنا فاضل ولد عارف هجرت هذه البلاد منذ ثلاث سنوات لأنني لم أجد فيها عملا ولا أمنا ولا استقرارا وكنت أعيش في ولاية " فرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية أغسل الأواني تارة وأقطف الثمار تارة أخرى وبعد أن علمت أن زوجتي فاطمة قد وضعت حيث تركتها حاملا ، و بلغت بنيتي أمينة الثالثة من عمرها وأصبحت تتكلم معي عبر الهاتف وتناشدني أن أعود حتى أشتري لها شيئا من الحلوى عدت هذا المساء من أمريكا علني أرى بنيتي الوحيدة أمينة التي جاؤوا بها إلى المطار مع أمي وأخواتي وبناتهن وبعد أن رأيتها تهز يديها ترفعهما إلى الأعلى ثم تنزلهما ثم تقفز إلى الأمام ثم إلى الخلف وكأنها عصفور في قفص تجاوزت والدتي العجوز التي كانت تهرول نحوي، لقد كانت أمنيتها الوحيدة أن تراني قبل أن تموت، كانت تناديني يابني ها انا
فلم اسمع صراخها - أصابني ما أصاب صواحب امرأة العزيز عندما خرج عليهن يوسف، أو ما يصيب المتصوفة عندما تستولي عليهم حالة من حالات الوجد - ومضيت لأحتضن بنيتي أمينة، فلما مدت لي يديها الاثنتين أمسك بي رجال الشرطة
دعوني حتى أقبل ابنتي التي لم أرها منذ ولدت
-المخرب الإرهابي المعارض الوهابي اللص السارق
-قبلة واحدة ثم خذوني
-الإرهابي المخرب اللص
الانسان يتهم الناس بما يعلم عن نفسه، فهل هناك أصوليون جهلة لا يصلون إلا بالتييم ولا يعرفون مكان المسجد ووهابيون يستغيثون بالقبور ويفضلون الذهاب إلى مشعوذ عن الذهاب إلى طبيب متخصص
سحبوني بالقوة فتعلقت بنيتي بساقي رفسها أحدهم برجله ثم مضوا يسحبونني
كنت ألتفت إليها ودماؤها تسيل من فمها تذكرت أنني لم أعانق والدتي أو أصافح واحدة من أخواتي

من قول