الجبراوي
10-06-2008, 01:51:27
مماقرات وأعجبني عن موريتانيا
بين مجابات كبرى تنساح أذرعها الأسطورية كأذرع أخطبوط خفي، تتلوى وتتيه في سباسب صحراء مترامية الأرجاء، سابحة في سراب لافح، ذات رمال ناعمة نعومة الأحلام؛ وبين سهول فيضية وساحلية متغضنة، تغشاها الخضرة اليانعة لحقول وأودية رطيبة، وغابات ذات ظلال ريانة؛ تتمدد موريتانيا بلونيها الفارقين الذهبي والأخضر، مستريحة على شاطئ أزرق يغسل أقدامها بأمواجه النقية الصافية، ويداعب أناملها بنسيمه الندي العليل.
بين المحيط الأطلسي في الغرب وحوض تاودني في الشرق، والنهر السنغالي في الجنوب ووادي الذهب في الشمال، سكن شعب من قديم الزمان، كحكاية عجيبة ضاع راويها، يدعى «شعب المور».
وكان أول من أطلق عليه هذه التسمية هم الرومان حين هزموا القرطاجنيين قبيل ميلاد المسيح عليه السلام، بعد معاركهم الطاحنة مع «حنا بعل» وإحراق قرطاجة والسيطرة على الشمال الإفريقي وإطلاق تسميات موريتانيا على أجزاء منه في المنطقة الجغرافية التي تشمل مناطق شاسعة من المغرب العربي الحالي.
كان شعب المور مميزًا في صفاته حسب الرحالة والمؤرخين، رغم اختلافهم في طريق هجراته وأصوله، وميلهم إلى أن أغلبه قادم من اليمن، ومن هجرات فينيقية، إلى جانب سكان أصليين يتميزون بصفات الإنسان الذي سكن منطقة الصحراء والسفانا، إلا أن هؤلاء المؤرخين والرحالة القلة اتفقوا على إطلاق بعض الصفات المميزة لهذا الإنسان بعد أن أنضجته الصحراء في أتونها، حيث قالوا إنه عرف بالقدرة الفائقة على التكيف مع الصحراء، وأنها باحت له بأسرارها عبر الأزمنة، ونوهوا بصبره الذي لا يقل شأنًا عن صبر الجمال التي يتخذها سفنًا لصحرائه. كما عرف عن هذا الإنسان اتصافه بصلابة عوده في القتال، والذكاء الحاد، والقيافة، وتوسم الأنواء، والمهارة التجارية، وتسيير القوافل الكبيرة عبر مسالك الصحراء المهلكة من الشمال إلى الجنوب ومن الجنوب إلى الشمال.
هذا الشعب القديم الذي سميت به البلاد حينًا من الدهر، عرف لاحقًا مع المرابطين وبعد المرابطين بتسميات أخرى مثل: الملثمين، والمرابطين، وصنهاجة.. وكان ذلك بعد دخول الإسلام مبكرًا إلى هذه الأرض، في المائة الأولى للهجرة، على الأرجح، ثم نشوء دولة المرابطين في الحيز الترابي ابتداء من مطلع القرن الرابع الهجري.
بعد سقوط دولة المرابطين في المغرب على أيدي الموحدين استمرت الدولة المرابطية متماسكة شيئًا ما لقرون لاحقة، ثم تحولت لاحقًا إلى مشيخات وأنظمة اجتماعية وإنتاجية، متأثرة بنظم الدولة المرابطية لم تنتهج نهج الدولة المرابطية في أول عهدها عندما كانت على شكل زاوية مرابطة، مقيمة في جزيرة تدعى «تيدره»، بقيادة المعلم عبدالله بن ياسين.
وإذاكان بعض المؤرخين المحدثين يعتقدون أن تلك جزيرة الرباط الأول، الذي نال منه المرابطون تسميتهم، كانت شمال العاصمة الموريتانية الحالية، فإنني أميل إلى قول آخر يفيد أنها موجودة في منطقة «الزيره» قرب شاطئ نهر صنهاجة (النهر السنغالي حاليًا)، حيث تتوفر المياه العذبة وتتطابق صفاتها مع صفات الجزيرة التي وصفها المؤرخون، إذ تدور بها المياه في فصول من السنة، وهي مناسبة للإقامة الدائمة، بينما لا يمكن أن تعيش أية مجموعة بشرية مهما كانت صلابتها في مكان لا توجد فيه مياه عذبة.
لذا أستبعد الفرضية القائلة بأن جزيرة «تيدره» الحالية هي مكان الرباط الأول للمرابطين.
أما التسمية التي هي حجة القائلين بالرأي الأول فهي تدل في الصنهاجية على المقبرة، فأي مقبرة حيث كانت تدعى «تيدره»، ولذلك قد يكون اللبس الحاصل في أذهان بعض المؤرخين المحدثين نتيجة توارد في التسمية الحالية، فالصفات الطبيعية والجغرافية للمكان الذي التأم فيه أول رباط، ينطبق على شبه الجزيرة الموجودة في أقصى الجنوب الغربي من موريتانيا على شاطئ نهر السنغال (الزيرة)، مما يرجح احتمال سقوط الاسم عنها عبر التاريخ؛ بينما تحتفظ الجزيرة الموجودة شمال نواكشوط بالتسمية الملتبسة، التي قد لا تعني أكثر من أنها مكان مقبرة من المقابر الكثيرة.
إن القرائن كلها تجعل احتضان جزيرة «تيدره» الحالية لأي حياة بشرية مستقيمة أمرًا مستحيلًا، فلا مياه إلا مياه المحيط الأطلسي المالحة، والجزيرة متصفة بالجفاف والقحولة، وندرة الأمطار، وهي أمور يستحيل معها أي تجمع بشري قار في التاريخ.
الهوية التاريخية
بدايات الوحدة والتشكل السياسي
كانت البداية المرابطية الصحراوية هي أولى لبنات تشكل الدولة الموحدة ذات الكيان السياسي، كما أنها أولى التجسيدات الفعلية للوجود العربي الإسلامي المعروف والمتواتر لما يعرف بالدولة ذات السلطان الواحد، حسب ما يستشف من كتاب «الإشارة في تدبير الإمارة» لمحمد بن أبي بكر الحضرمي المرادي الذي كان قاضي المرابطين في عاصمتهم الوسطى «أزوغي» وتوفي فيها 589هـ. (أزوغي، تعني بالصنهاجية، إما المتاب: مكان التوبة، وإما مركز الحكم).
كان نشوء كيان الدولة المؤسس تاريخيًا، ضمن فضاء مفتوح توجد على تخومه الجنوبية ممالك زنجية مثل غانا في أقصى الجنوب الشرقي من موريتانيا حاليًا، وممالك وثنية ولفية في السنغال حاليًا، وقد عرفت الدولة المرابطية في موريتانيا أكثر من عاصمة فلئن كانت العاصمة الأولى -حسب المؤرخين- هي مدينة «أزوكي» بجبل صنهاجة،«آدرار» حاليًا، مقابل عاصمتهم الشمالية «مراكش». فإن عواصم أخرى ظهرت في التاريخ لنفس الدولة مع تمدد هذه الدولة إلى الجنوب والجنوب الشرقي من موريتانيا حاليًا، وكانت مدينة «تغذ أوغست» (الجنوبية، بالصنهاجية) في الوسط الموريتاني، إحدى العواصم، ثم «كومبي صالح» في الجنوب من البلاد حاليًا، مما يعني ارتحال العاصمة مع زحف الصحراء جنوبًا، إلى جانب عوامل أخرى جيوبوليتيكية وتجارية.
وقد أطلقت تسميات مختلفة بعد تلاشي الدولة المرابطية من الأرض، حيث أطلق بعضهم «بلاد التكرور» على أجزاء منها، مثل صاحب كتاب «فتح الشكور في علماء التكرور» وأطلق البعض الآخر التسمية التي عرفت للأرض الموريتانية في المجالين الغرب أفريقي والمجال العربي الإسلامي، حيث سموا بالشناقطة نسبة إلى شنقيط، المدينة الأثرية التي كانت منطلقًا للركب الحجي، ومحطة رئيسة للقوافل التجارية الكبيرة الجوابة للصحراء والساحل.
ولا شك أن عوامل عديدة لعبت دورها في ارتحال العاصمة المرابطية كما ذكرنا آنفًا، من أهمها العامل المناخي، حيث يعتقد أن سبب خراب «تغذ أوغست» تحديدًا كان شح المياه، وجفاف الآبار في المدينة. كما أن تبدل قيم المواد وأهمية تجارة الذهب، وطرق القوافل أثرت تأثيرًا متتاليًا في تشكيل خريطة المدن الموريتانية حينها، كما لم يزل لزحف الصحراء أثره المشاهد إلى اليوم على خراب المدن من سكانها بسبب قساوة زحف الصحراء، على بعض المدن، وسهولة العيش في بعضها الآخر، مما يحول السكان تدريجيًا إلى المدن الساحلية الكبرى مثل نواكشوط العاصمة الحالية للبلاد، ومدينة نواذيبو العاصمة الاقتصادية، أو في المدن الآمنة من زحف الصحراء على شاطئ نهر السنغال، والمدن الريفية الداخلية في الوسط والشرق. فإذا كانت الظروف المناخية تخلق هذا التحيز السكاني رغم تطور وسائل النقل، وتوفر وسائل العيش المستقر حتى في المدن الصحراوية فكيف لا يكون الأثر أبلغ في الماضي؟
نظرة في الهوية التاريخية
حسب المعطيات المتوفرة حتى الآن يبدو أن التاريخ المرابطي (التاريخ المؤسس لكيان الدولة الموريتانية) قد وقع في هوة بين نوعين من المؤرخين:
أولًا: مؤرخو الدويلات في الأندلس:
إذا كان مؤرخو الدويلات بالأندلس قد أعجبوا بقوة شكيمة المرابطين وقدرتهم على هزيمة الفرنجة، فإنهم نفروا من جلافة هؤلاء المقاتلين الملثمين، وبعدهم عن التمدن ورقة الطباع التي تميز بها الأندلسيون، رغم ما جرت عليهم من هوان، فكتب مؤرخو الدويلات هؤلاء عن المرابطين من منطلق التنافر في الأذواق والطباع، ولذلك لم ينصفوهم، ولم يبذلوا الجهد الكافي في فهم حياتهم وعاداتهم وتقاليدهم، كما هي.
ثانيًا: مؤرخو الدولة الموحدية:
اجتهد مؤرخو الدولة الموحدية في كتابة تاريخ مجحف بالمرابطين، ابتداء من مطلع القرن السابع الهجري، بداية الدولة المهدية (المهدي بن تومرت) التي حاربت الإرث المرابطي بكل ضراوة، ولم يشذ مؤرخو المرحلة عن هذا المسار كما يتضح من خلال قراءة ما تركوه.
إن هذا الوضع البيني لتاريخ المرابطين يسمح لنا بالقول إن تاريخهم -الذي هو في نفس الوقت- فاتحة تشكل أول نظام سياسي جامع أعطى للبلاد الموريتانية صفة التوحد الثقافي، والشخصية الحضارية، وهيأ للتوحد الديني والمذهبي، والسياسي- ضاع بين العدوتين (الدولياتية والموحدية).
ومع ذلك يمكننا أيضًا أن نجزم بأن الصحراء الموريتانية مثلت محمية طبيعية للدولة المرابطية ونظمها الاجتماعية، وطرائقها في الفتوح، بعد قضاء الموحدين عليها في الأندلس والمغرب، حيث حافظت على وجهتها الجنوبية إلى إفريقيا السوداء، في نشر الإسلام وعلوم العربية.. وهي عادة اكتسبها الموريتانيون إلى يومنا هذا، بفارق وحيد هو أن الدعوة أصبحت سلمية وعن طريق التجار ومشائخ الدعوة، والعلماء، ولم تعد فتحًا بالسيف وأعراف الخيل وسنابكها.
موجة الهجرة الحسانية الهلالية إلى موريتانيا
فاتحة الصراع على المرجعية السياسية وتشكل الإمارات
خلال القرن الثامن الهجري بدأت هجرات الهلاليين الزغبيين، وبني حسان، تصل إلى موريتانيا، بالتدريج، قادمة من أحواز مراكش والجزائر عبر خطين: ساحلي وصحراوي، وأخذت هذه القبائل في الاستقرار، حيث طابت لهم البلاد لتشابه تضاريسها مع تضاريس بلاد الهجرة الأولى، وقد أدى هذا الاستقرار إلى احتكاك القبائل الوافدة بقبائل الزوايا الصنهاجية الأصلية منها، والقبائل المهاجرة من الأندلس بعد هزيمة المسلمين هناك وخوفهم من عبور القشتاليين الإسبان للعدوة الدنيا والتنكيل بهم، كما فعلوا في غرناطة وغيرها، فاحتموا بالصحراء لتأمين أنفسهم.
أثناء هذا الاستقرار وقعت نزاعات عديدة بين السكان السابقين والوافدين الجدد، وقد كان أهم احتكاك حفظه المؤرخون، وكان له تأثير تأريخي ملحوظ على المراحل اللاحقة من حيث التشكل الاجتماعي والسياسي للبلاد، وهويتها الثقافية، ذلك الاحتكاك الذي بين المغافرة من بني حسان بقيادة هدي بن أحمد بن دامان المغفري التروزي، وبين مجموعة كبيرة من قبائل الزوايا، بقيادة الإمام ناصرالدين الشمشوي. وقد انتهت الحرب التي سميت «شر ببه» (حرب ببه) وببه هذا اسم شخص غني نشبت الحرب بسببه في سبعينيات القرن الحادي عشر الهجري، وكرست تقسيمًا معينًا أصبحت فيه السيادة السياسية للمغافرة، على حساب قبائل الزوايا و أبناء عمومة للمغافرة هم أبناء رزق، حيث انزاح الرزقيون جنوبًا وعبروا النهر السنغالي بعد معركة «انتتام» سنة 1040هـ، أي قبيل حرب الزوايا والمغافرة بأكثر من عقد من الزمن.
وقد أسس المغافرة –بعد أن استتب لهم الأمر- أربع إمارات، شغلت –إلى جانب إمارة صنهاجية واحدة ابتداء واثنتين انتهاء- الحيز الترابي الموريتاني الحالي بإضافات ترابية في المناطق المجاورة من مالي والسنغال.
والإمارات المتشاكلة في بنيتها السياسية وأنظمتها الإنتاجية والاجتماعية هي: إمارة الترارة في الجنوب الغربي، إمارة البراكنة في الجنوب الأوسط، إمارة أولاد مبارك في أقصى الشرق و الجنوب الشرقي، وإمارة يحي بن عثمان في الشمال. وقد بقيت الإمارة الصنهاجية الوحيدة في وسط البلاد حينها، رغم جهود المغافرة في محاولة القضاء عليها، لكنها ظلت صامدة إلى النهاية، و الإمارة هي إمارة إدوعيش، التي أسسها أحفاد أبي بكر بن عامر اللمتوني المرابطي، خاصة منهم ذرية أعمر بن محمد بن خونا.
استمر التقسيم السياسي للبلاد على هذا النحو بين الإمارات المغفرية والإمارة الصنهاجية باستثناء واحد، هو اختفاء إمارة أولاد مبارك على أيدي أهل المحيميد (مشظوف)، المنحدرين من إمارة إدوعيش المرابطية، حيث أسس أحمد محمود بن امحيميد إمارة جديدة بعد استيلائه على الحوض في سنة 1272هـ، 1861م، في معركة حاسمة انتصر فيها على آخر أمراء أولاد مبارك هناك.
أما الإمارات الأخرى فقد استمرت حتى دخول الاستعمار الفرنسي إلى موريتانيا ابتداء من سنة 1902م، على يد المستعمر كبلاني، الذي أطلق الاسم الحديث القديم «أرض البظان» أو «موريتانيا» على البلاد. وقد قتل كبلاني هذا من طرف الشريف سيدي ولد مولاي الزين وكوكبة من أهل التناكي من قبيلة إديشلي، وذلك في مدينة «تيجكجه» سنة 1905م، وكان ذلك أول تتويج بارز لجهد مقاومة الاستعمار كما كان إذكاء لنارها في جميع أنحاء البلاد إلى غاية سنة 1934م.
تأصيل الهوية
مقاومة عسكرية ومقاومة ثقافية
عند دخول الاستعمار نشبت مقاومة حربية ضارية، خاضتها مجموعات كبيرة من الموريتانيين، من قبائل الشوكة أو ممن حمل السلاح لمقارعة هذا الاستعمار، رغم أنه ينتمي للزوايا، وكان من أبرز هؤلاء الشيخ ماء العينين بن الشيخ محمد فاضل القلقمي، وأحمد ولد الديد التروزي، وبكار ولد اسويد أحمد أمير تكانت في حينها و الذي استشهد في معركة «الأبيض» مع الفرنسي افرير جاه سنة 1905م، وسيد أحمد ولد أحمد عيده أمير «آدرار» من أبناء يحيى بن عثمان، الذي استشهد في معركة «وديان الخروب» ضد الفرنسيين سنة 1932م، والشيخ ولد عبدوك المشظوفي في ظهر النعمة بالشرق الموريتاني، وعلي ولد مياره الرقيبي في تيرس، وغير هؤلاء كثير.
وشهدت البلاد مقاومة من نوع آخر للاستعمار الفرنسي صمدت بعد إسكات الفرنسيين للمقاومة العسكرية، وهي المقاومة الثقافية، حيث استطاع المجتمع الموريتاني أن يخلق آلية للعيش في مجاله الخاص دون الاستناد إلى الفرنسيين في تلبية أي من احتياجاته الأساسية وحتى الثانوية.
وفي هذا الصدد احتفظ الموريتانيون بقضائهم الشرعي الأهلي لفض المنازعات وحفظ الحقوق أيًا كانت طبيعتها، وبذلك وقع الاستغناء عن القضاء الذي نصبه الفرنسيون في الغالب، رغم وجود قضاة موريتانيين شرعيين نصبهم الفرنسيون في المدن والاستحكامات التي أنشؤوها أحيانًا.
وفي مجال الطب استمر الاعتماد على طب أهلي تقليدي يمارس الجراحة والتطبيب بالأعشاب بصورة جيدة، وتمت مقاطعة المستشفيات والمستوصفات الفرنسية، ولذلك تطور الطب التقليدي الموريتاني وعرفت فيه مدارس ذائعة الصيت مثل مدارس: أهل أجود، وأهل أوفى، وأهل المقري، وغيرهم.
وفي مجال التعليم تم الاستغناء بالتعليم المحظري عن التعليم الفرنسي، وقد عرفت البلاد الموريتانية تجربة نادرة في هذا النوع من التعليم، حيث واصل المجتمع الاعتماد على مناهج التعليم التي كانت متداولة قبل دخول الاستعمار وكأن شيئًا لم يكن، وكان ثمة نظام كفالة اجتماعي للطلاب، وثمة مستويات عديدة من التعليم، من أدنى المستويات إلى أعلاها، فازدهر تدريس علوم العرب والمسلمين ولم يتراجع كما خطط لذلك الفرنسيون. وكان من المثير للانتباه ذلك الاهتمام المتفاوت لدى المناطق الموريتانية بالاختصاص في هذه العلوم عبر التاريخ. من ذلك مثلًا: اهتمام سكان المناطق الشرقية والوسطى بعلوم القرآن قراءة وتفسيرًا، فأتقنوها إتقانًا، وتعاطوا مع العلوم الأخرى باهتمام أقل؛ بينما ارتكز اهتمام المناطق الجنوبية الغربية والغربية الساحلية على علوم العربية صرفًا ونحوًا، كما اهتموا بعلوم البلاغة والبيان، وعلوم البرهان، والفلك والجغرافيا والجبر، والتاريخ، وانتشر فيهم الشعر أكثر من انتشاره في المناطق الأخرى. ومن هذا الانتشار جاءت التسمية التي أطلقها بعض النقاد العرب على موريتانيا بعد اكتشافهم للحركة الشعرية فيها مطلع القرن العشرين بأنها بلاد المليون شاعر، واعتبرها بعضهم حلقة مفقودة في تاريخ الأدب العربي، انبهارًا بشيوع الشعر في هذه البلاد، سواء كان شعرًا فصيحًا أو شعرًا شعبيًا بالحسانية. وقد كان لنشر الوسيط في تراجم أدباء شنقيط بداية القرن العشرين في مصر، وضعف الشعر العربي حينها، وكون أغلب الشعر القوي في هذا الكتاب كان من قرض أدباء القرن الثاني عشر والثالث عشر الهجريين أدى إلى الإعجاب بالشعر الشنقيطي على ذلك العهد. وقد أسهم علماء شناقطة في تهيئة أمهات الكتب العربية كالأغاني والقاموس المحيط، وصبح الأعشى، ولسان العرب لابن منظور، للتحقيق والتصحيح والنشر، ودواوين شعرية عربية كثيرة حيث كان بعضهم يحفظ هذه الكتب الضخمة في ذاكرته، فكان الباحثون الأوائل، وسدنة الأدب والشعر يلجؤون إليهم أثناء رحلات الحج، أو خلال تدريسهم في المعاهد والجامعات العربية العريقة والمساجد، فكان لهؤلاء الشناقطة حضور مميز في مجامع الحرمين، والجامع الأزهر، والعراق، والأستانة عاصمة الدولة الإسلامية، ودمشق، والقرويين، وجامع الزيتونة، والأردن، ووصل الترحال ببعضهم إلى رئاسة مجلس بعثة علماء الدولة العثمانية في سفارة إلى ملك السويد حينها. وقد ذكر كتاب بارزون من بينهم طه حسين ومحمد عبده تأثير هؤلاء الشناقطة على الحركة العلمية والأدبية في زمنه.
عرف الموريتانيون صنفًا آخر من المقاومة الثقافية، وهي مقاومة القيم والعادات الاستعمارية حيث احتفظوا بنمط أخلاقي ينأى عن أي تقليد للفرنسيين، رغم كل الإغراءات التي أتاحوها واستدرجوا إليها من وصلت إليه أيديهم فلم يفلحوا. وترتبت على هذه القطيعة الأخلاقية قطيعة اجتماعية فوجد الفرنسيون ومن ينخرط في سلكهم الإداري أو العسكري، أنفسهم، في عزلة اجتماعية مطبقة لم يستطيعوا كسرها إلا في استثناءات قليلة تثبت القاعدة.
وفي النهاية كانت العلاقة التي رضخ لها الاستعمار هي العلاقة الجبائية، والتي كان الموريتانيون يخضعون لها على مضض عبر نظام وسطاء، ممقوتين، يأخذون العشر على قبائلهم باللتيا والتي.
لكل هذه العوامل لم يستطع الاستعمار أن يخترق الهوية الثقافية الموريتانية العربية الإسلامية، رغم محاولاته الكثيرة، واحتياله، ووشايته بين المكونات الثقافية الموريتانية من عرب وأقليات زنجية، ولقد شهد التاريخ لهذه الأقليات بشجاعة نادرة في الاحتفاظ بدينهم الإسلامي، وبتدريسهم للعربية، وكتابتهم للغاتهم الشعبية بالحرف العربي، وقد وصل الأمر إلى حد قيام ضباط فرنسيين بإحراق أكثر من عشرين مكتبة يملكها علماء من هذه القوميات نكاية بهم لانشغالهم بالعربية وعلوم الإسلام، حيث كانوا يتصورون أن إسلامهم رقيق بحيث يمكن التأثير فيهم بالتبشير، كما نجحوا في ذلك داخل بعض القبائل الوثنية في السنغال وبلاد أخرى من غرب إفريقيا.
وقد استمرت القوميات الزنجية الموريتانية على نهجها الإسلامي، وأصرت على كتابة لغاتها بالحرف العربي، وهو ما استمر إلى غاية إصلاح التعليم الموريتاني سنة 1981م في عهد الرئيس الموريتاني الأسبق محمد خونا ولد هيداله الذي سمح بكتابة هذه اللغات بالحرف اللاتيني، وهي لغات:(السوننكي، والبولار، والولوف)، مستجيبًا لضغوط بعض المتفرنسين الأفارقة، الذين سعوا للفصل بين القوميات الإفريقية وفضائهم العربي الإسلامي، دون أن ينجحوا في هذا المسعى إلى يوم الدنيا هذا.
التنوع القومي في موريتانيا
تتساكن في موريتانيا أربع قوميات هي القومية العربية، والقومية السوننكية، والقومية البولارية، والقومية الولفية.
أولًا: القومية العربية:
وهي المجموعة الناطقة بالحسانية. والحسانية لهجة بني حسان، وهي لهجة عربية بدوية قحة، استطاعت أن توحد المجموعات التي تسمى البياضين، وهم من بيض وسمر، وقد استطاعت هذه اللهجة أن تقضي بالتدريج على اللغة الصنهاجية التي كان يتداول بها عدد كبير من الموريتانيين إلى عهد قريب، وبدأت تختفي من الألسنة التي كانت تنطق بها. وقد دمجت هذه اللهجة بعض المصطلحات والأوزان الصرفية الصنهاجية في لحمتها التداولية، فغلبت المصطلحات الصنهاجية على أسماء الأماكن، وبعض الأشجار، وأسماء الحيوانات، التي لم تكن موجودة في الفضاء العربي، أما البقية من المصطلحات فهي عربية فصيحة، وتمثل حوالي 80٪ من مصلحات الحسانية.
تبلغ القومية العربية الناطقة بالحسانية حوالي 84% من التعداد الإجمالي للسكان الموريتانيين.
تتألف هذه القومية عرقيًا من قبائل ذات أصل عربي، وأخرى ذات أصل صنهاجي، وأخرى ذات أصول زنجية صنهاجية مختلطة.
كان يسود في هذه المجموعة نظام اجتماعي حرفي الانتماء، فكل من حمل السلاح صنف في قبائل الشوكة، وأضيف لصف الإمارة السياسية أيًا كان أصله العرقي. وكل من حمل القلم والدواة والقرطاس عد من قبائل الزوايا أيًا كانت مجموعته الأصلية. وكل من احترف الصنعة كالخراطة والصياغة والحدادة والنجارة.. عد من فصيلة الصناع، وكل من امتهن الرعي وتنمية المواشي وترك السلاح والتعلم عد من فصيلة الرعاة. وكل من امتهن الزراعة بالسخرة أو بالأجر عد قنًا.
وقد تلاشت هذه البنية الاجتماعية الآن ولم يبق منها سوى بعض العادات والتقاليد المتلاشية، حيث غلبت على المجتمع علاقات من نوع جديد هي العلاقات المدنية العصرية.
تسود في هذه المجموعة عادات اجتماعية من بينها العزوف عن تعدد الزوجات، واحترام المرأة، ومشاركتها في الحياة النشطة، قديمًا وحديثًا، حيث تعتبر في غالب الأحوال امرأة عاملة، تنسج الخيام، وتقوم على بيتها في غياب رب الأسرة، ويسمح لها بالتعلم إلى أن تصل إلى أعلى الدرجات سواء في المجتمع التقليدي أو المجتمع المعاصر.
تغلب على العادات الاجتماعية الموريتانية طبيعة المحافظة، والاعتزاز بالعادات والتقاليد الخاصة بهم، وهي مسألة ترجع حسب الاستقراء التاريخي إلى صعوبة التكيف مع الطبيعة، والأخطار المحدقة بالإنسان عندما يخطئ في تقدير أي أمر داخل وسط صحراوي شحيح الموارد، أغلب أخطائه قاتلة، ولا يسمح فيه للفرد بالخروج على المجتمع، وإلا عوقب بالنفي والعزلة الاجتماعيين.
لهذه المجموعة البشرية آدابها العربية والشعبية الفصيحة، وتتميز ثقافتها الشعبية خاصة بالثراء والتنوع، وسعة الخيال، كما تحوي ملخصًا للتجارب والحكمة الخاصة بهذه المجموعة. إضافة لفن موسيقي مشبع بالألحان والنغمات.
القومية البولارية
تعتبر هذه القومية من أكثر القوميات الزنجية الموريتانية عددًا، وهي مجموعة قومية تتكلم «البولارية»، وتنقسم إلى صنفين: الفلان، وهم قبائل يعتمدون على رعاية البقر وتنميته، وهم رحل في الغالب، رغم استقرارهم المؤقت في بعض الأكواخ والتجمعات. وهؤلاء يقولون إنهم من القبائل الحميرية القديمة، عن طريق انتمائهم لبعض قبائل لمتونه، وتعرف هذه المجموعة بالأنفة، وقوة الشكيمة، والأخذ بالثارات، ويميل بعض الإتنولوجيين إلى أنهم ينتمون للعنصر النيلي.
أما المجموعة الثانية فهي مجموعة «الهال بولار»، وهم سكان القرى والمدن، وينقسمون اجتماعيًا وسياسيًا نفس التقسيم النمطي للقومية «المور» (البياضين)، حيث توجد فيهم مجموعتان هما مجموعة «تورودو» وهم يشغلون وظيفة الزوايا، في المجتمع العربي الموريتاني، ومجموعة «الهاليبه» ويشغلون وظيفة المحاربين لدى جيرانهم.
أما التقسيمات الحرفية الأخرى فهي موجودة فيهم بنفس النمط وصور العلاقات الاجتماعية، باستثناءات في العادات والعلاقات الاجتماعية الأسرية، حيث يسود في هذه المجموعة نظام تعدد الزوجات على نطاق واسع، كما يشيع فيهم نوع من عدم احترام المرأة وتقديرها، غالبًا.
لهاتين المجموعتين أدب شعبي يصاحب الموسيقى، يحذو حذوها، ويتماشى معها.
تميل هذه المجموعة إلى ممارسة الصيد النهري وزراعة الأرض، والتجارة. ويعرف عنها نوع من الاعتداد بالنفس والنبل الأخلاقي، وعدم التسامح مع الخصوم.
وتنتمي هذه المجموعة عرقيًا –حسب الإتنولوجيين- للجنس الزنجي الغرب إفريقي الذي تنتمي إليه قومية «الولوف»، خلافا لإخوتهم في اللسان (الفلان)، ويتضح ذلك في الفروق الواضحة بين الطرفين في لون البشرة وتقاسيم الوجه.
قومية «السوننكي»
هي قومية إفريقية متقادمة في البلاد، رغم أنها هي القومية الزنجية الثانية في موريتانيا. وهي قومية ناطقة بلغة تختلط فيها الصنهاجية والآزيرية، لكنها مع ذلك لغة مستقلة عن اللغتين.
ولهذه القومية علاقات قوية تاريخيا بالقبائل الصنهاجية، حيث يعتبرون أنفسهم من بين هذه القبائل مع سحنتهم السوداء.
وتتميز هذه المجموعة بخصائص عديدة من بينها: المسالمة، والإخلاص في العمل، والصدق، والصرامة في صرف الأملاك، والميل للمحافظة على العادات إلى درجة الانغلاق على الذات أحيانًا، والخبرة الفائقة في التجارة، ولهم عادات وتقاليد أبوية مفرطة في تقدير عامل السن خاصة لدى الرجال، مع انتهاج نظام عائلي صارم لا يحيد عنه كبير ولا صغير. ومن المسائل الخاصة بالسوننكي صعوبة اللغة، حيث يتعلمون هم لغات القوميات التي تساكنهم، بينما لا تستطيع هذه القوميات أن تعرف لغتهم.
قومية «الولوف»
هي القومية الزنجية الثالثة، وتتميز هذه القومية بالانفتاح على الآخر، وعدم الانغلاق على الذات، ولغتها لغة بسيطة التراكيب، قليلة المصطلحات، مما يجعلها سهلة التعلم من طرف غيرهم.
وهذه المجموعة تنتمي لنفس العرق الذي ينتمي إليه البولار رغم الاختلاف الواضح في الطبائع والعادات والتقاليد، ويعرف عنهم المرح، وحب الاطلاع، وطيب المعاشرة والمعايشة، وبياض الجنان.
يعتمدون في حياتهم على الزراعة والصيد في المحيط الأطلسي وضفة النهر السنغالي، ولديهم منظومة أخلاقية أبوية التوجه، تميل لعدم الاعتراف بمكانة مرموقة للمرأة، وليس لهذه المجموعة القومية تقسيم حسب السلاح والعلم، وقد انتشر الإسلام بين أوساطها عن طريق التصوف أكثر من غيرها من القوميات، وكانت حديثة العهد نسبيًا بالوثنية رغم النقلة النوعية التي اكتسحتها في انتشار الإسلام بين أوساطها، وتعتبر المجموعة الموريتانية من هذه القومية امتدادًا لعمق سكاني كبير لها في السنغال.
هذه القوميات الزنجية الموريتانية الثلاث، وهي مسلمة مائة بالمائة، ومن بين المنتسبين إليها علماء أجلاء في الشريعة الإسلامية وعلوم العربية، وشيوخ صوفية كبار، نشروا الإسلام في غرب إفريقيا، وقضوا على الوثنية المنتشرة فيها ووفقوا في ذلك توفيقًا كبيرًا.
خصائص وإسهامات موريتانية
إذا تساءلنا عن الإضافات والإسهامات التي تخص الموريتانيين في فضائهم العربي الإسلامي فيمكن أن نوجز ذلك في النقاط التالية:
كتابة رغم الارتحال
استثناء للقاعدة الاجتماعية التي تقول إن البدو الرحل يكونون أميين في العادة، فإن الموريتانيين كانوا يكتبون ويؤلفون وهم ينتجعون المراعي، ولا يقيمون في مكان واحد أكثر من أسبوع، على مدار السنة، إلا نادرًا.
وإذا عدنا إلى تفاصيل الحياة اليومية لهؤلاء البدو لاحظنا انهماكهم في القراءة والكتابة والتعليم جل الوقت، خاصة بالنسبة لغالبية السكان وهم الزوايا، كان منصبًا على القراءة والكتابة والحفظ. ولذلك كانوا يتحدثون عن الرجل يذهب في أثر إبله ولوحه في يده، ينظر فيه تارة، وينظر إلى آثار إبله تارة دون أن يضيع أيًا منهما، وهو يحفظ درسه أو يراجعه.
إن حالة الكتابة هذه قد تكون على الأرجح حالة استثنائية، أسهم بها الموريتانيون في إثراء التجربة الحضارية العربية الإسلامية على نحو لا لبس فيه.
قوة حفظ لافتة للانتباه
لقد شحذت عادات التعليم المحضري وأساليب التربية الخاصة، وندرة الأوراق للكتابة، وسهولة تلفها، والإشفاق من ضياع العلوم العربية الإسلامية في بيئة صحراوية قاسية.. شحذت ملكة الحفظ الأسطورية أحيانًا عند الشناقطة، حيث إن من بين هؤلاء من حفظ الجامع لابن يونس في الفقه المالكي، وتفسير ابن كثير، والطبري، وفتح الباري على صحيح البخاري، ولسان العرب، لابن منظور، والقاموس للفيروزآبادي، ودواوين لشعراء كثر، كل ذلك في ذاكرة الرجل الواحد، يذهب بها ويعود، لا يسأل عن شيء منه إلا استحضره.
وكان بعضهم إذا سمع عن كتاب ولم يحصل على عاريته من صاحبه لجأ إلى حفظه على دفعات ونسخه.. وقد أدركت أنا شخصيًا بعض هؤلاء الحفاظ ولا أزال أعجب كيف حفظوا ما حفظوه؟ ومتى حفظوه بهذه العارضة النادرة؟
شعر قوي في فترة انحطاط عام
من المعطيات التاريخية أن فترة الانحطاط الشعري قد امتدت من نهاية العهد العباسي إلى بداية النهضة العربية الحديثة مع شعراء أمثال البارودي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم والرصافي.
لكنني أدعو متذوقي الأدب العربي ونقاده إلى قراءة المدونة الشعرية الموريتانية، التي كانت في أوج عطائها خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، الثاني عشر والثالث عشر الهجريين، وقد نشر جزء بسيط من هذه المدونة في كتاب «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط»، الذي اعتمد فيه أحمد بن الأمين الشنقيطي على ذاكرته، ونشر في مطلع القرن العشرين بالقاهرة، واطلع عليه الجميع هناك.
ما أطالب به نقاد ومؤرخي الأدب العربي الحديث هو أن يقوموا هذه المدونة ويحكموا بعد ذلك، وأعتقد أن الاستنتاج الذي سيحصل في أذهانهم عندها، سيكون بلا شك هو نفس الاستنتاج الذي وصل إليه بعض من اطلعوا على فنيات هذا الشعر فقالوا إن الشعر الموريتاني مثل تجربة مبكرة للعودة إلى الشعر العربي في أوج قوته، حيث استعاد هذا روح القوة الشعرية التي سادت في العهد الجاهلي وصدر الإسلام والعباسي، قبل تجربة رواد شعر النهضة لاستلهام هذا المنبع.
وثمة أكثر من دليل وقرينة على اطلاع أولئك الرواد على مدونة الشعر الموريتاني، خاصة في المعارضات الشوقية وجزليات البارودي، حيث كان هذا الأسلوب سائدًا عند الموريتانيين قبل ذلك بأزيد من مائة وخمسين سنة، وورد ذلك في كتاب الوسيط المعروف لدى المشارقة.
قد يقول قائل إن الشاعر قد يقع على الشاعر، ولا بأس بذلك، لكن تقويم التجربة الموريتانية يؤول في النهاية إلى أنها إسهام ملحوظ ومبكر في العودة إلى منابع الشعر العربي في قوته، والعدول عن محاكاة أدب الانحطاط، هذا على أقل تقدير.
وعلى كل حال فإن النصوص متوفرة ويمكن الاحتكام إليها، وأدع الحكم في ذلك لمن يشاء، فربما يكون غيري أكثر تأهيلًا للحكم المميز في الأمر.
ثقافة شعبية عالمة
إذا عدنا إلى الثقافة الشعبية الموريتانية فسنلاحظ دون عناء أنها تحوي أغلب مضامين ومفاهيم العلوم الإسلامية والعربية، حيث نظموا هذه العلوم بالتفصيل في شعرهم الشعبي، أو خلدوها في أمثلة، ولذا ترى الأمي الأبجدي القادر على سرد سيرة ابن هشام، وأنساب العرب، لأنه يحفظها في أدبه الشعبي، كما يحفظ قواعد النحو، وأسس المقرأ والتجويد القرآني، ومعضلات الفقه المالكي السائد في هذه الأرض، والعقائد الكلامية.. وغير ذلك.
إن هذه الثقافة الشعبية تعتبر بهذا المعنى عالمة نتيجة المضمون المبثوث داخلها، والذي يسهل حفظه على أي كان.
ولذا فإننا نعتبرها إضافة موريتانية للثقافات الشعبية العربية، الخالية في الغالب من هذا البعد العلمي الإسلامي الدقيق.
فقه للبادية
إذا كان الفقه عادة صناعة مدنية، فإن الموريتانيين بحكم كونهم قد كتبوا في البادية مرتحلين، فإنهم أسهموا كذلك في إثراء الثقافة العربية الإسلامية بفقه نوازل لأحكام البادية، ابتداء من الأحكام السلطانية، وانتهاء بالملزمات الفرضية للأفراد، حيث كانوا بحكم بداوتهم معرضين لنوازل كثيرة.
وقد استطاع فقهاؤهم أن يحصلوا نوعًا من الاجتهاد النوازلي في فقهم، وهو وإن اقتصر على أحكام البادية إلا أنه كان استثناء يذكر لهم من بين أشباههم من سكان البادية في العالم العربي الإسلامي.
مخطوطات في العراء
استطاع الموريتانيون ومن تتلمذ عليهم من الجيران أن يحفظوا كنزًا هائلًا من المخطوطات العربية، في حلهم وترحالهم، لا يكاد يوجد لها مثيل في التاريخ كثرة وتنوعًا، من بينها ما فقد من جميع المكتبات العربية، واعتبر في التوالف من المؤلفات.
وأذكر من هذه المجموعة كتاب «صناعة النحو» لابن رشد فقد احتفظت المكتبات الموريتانية بنسخة نادرة من هذا الكتاب، ولم يعثر لها على أخت في العالم كله.
وثمة مخطوطات نادرة بأقلام مؤلفيها الأصليين. ورغم أنه قد توجد نسخ من هذه المؤلفات إلا أنها ليست مخطوطة بأقلام أصحابها.
هذا أيضًا، إسهام وإثراء موريتاني لكنوز المخطوطات العربية الإسلامية يذكر لهذه البلاد النائية.
ختام الحديث
لقد حاولت خلال هذه المقالة أن أجمع أغلب المكونات المساهمة في بناء الهوية الموريتانية، ضمن إطارها المكاني، وأبعادها التاريخية، ووعيها العملي، ومناهجها الحياتية والتربوية، وأساليب تمثلها للمعارف، وطرائق تكيفها مع الوسط، والأبعاد النفسية والاجتماعية لإنسانها، والمؤثرات الكبرى فيه، وإسهاماته في تشكيل الطيف الكلي للحضارة العربية الإسلامية.
شهدت البلاد مقاومة من نوع آخر للاستعمار الفرنسي صمدت بعد إسكات الفرنسيين للمقاومة العسكرية، وهي المقاومة الثقافية، حيث استطاع المجتمع الموريتاني أن يخلق آلية للعيش في مجاله الخاص دون الاستناد إلى الفرنسيين في تلبية أي من احتياجاته الأساسية وحتى الثانوية
في مجال التعليم تم الاستغناء بالتعليم المحظري عن التعليم الفرنسي، وقد عرفت البلاد الموريتانية تجربة نادرة في هذا النوع من التعليم، حيث واصل المجتمع الاعتماد على مناهج التعليم التي كانت متداولة قبل دخول الاستعمار وكأن شيئًا لم يكن
تبلغ القومية العربية الناطقة بالحسانية حوالي 84% من التعداد الإجمالي للسكان الموريتانيين.
تتألف هذه القومية عرقيًا من قبائل ذات أصل عربي، وأخرى ذات أصل صنهاجي، وأخرى ذات أصول زنجية صنهاجية مختلطة
استثناء للقاعدة الاجتماعية التي تقول إن البدو الرحل يكونون أميين في العادة، فإن الموريتانيين كانوا يكتبون ويؤلفون وهم ينتجعون المراعي، ولا يقيمون في مكان واحد أكثر من أسبوع، على مدار السنة، إلا نادرًا
لقد شحذت عادات التعليم المحضري وأساليب التربية الخاصة، وندرة الأوراق للكتابة، وسهولة تلفها، والإشفاق من ضياع العلوم العربية الإسلامية في بيئة صحراوية قاسية.. شحذت ملكة الحفظ الأسطورية أحيانًا عند الشناقطة
محمد محمد أحظانا - نواكشط
منقول
ومن أحب الاستزادة فليرجع إلي مجلة المعرفة
العدد ( 136) رجب 1427هـ
بين مجابات كبرى تنساح أذرعها الأسطورية كأذرع أخطبوط خفي، تتلوى وتتيه في سباسب صحراء مترامية الأرجاء، سابحة في سراب لافح، ذات رمال ناعمة نعومة الأحلام؛ وبين سهول فيضية وساحلية متغضنة، تغشاها الخضرة اليانعة لحقول وأودية رطيبة، وغابات ذات ظلال ريانة؛ تتمدد موريتانيا بلونيها الفارقين الذهبي والأخضر، مستريحة على شاطئ أزرق يغسل أقدامها بأمواجه النقية الصافية، ويداعب أناملها بنسيمه الندي العليل.
بين المحيط الأطلسي في الغرب وحوض تاودني في الشرق، والنهر السنغالي في الجنوب ووادي الذهب في الشمال، سكن شعب من قديم الزمان، كحكاية عجيبة ضاع راويها، يدعى «شعب المور».
وكان أول من أطلق عليه هذه التسمية هم الرومان حين هزموا القرطاجنيين قبيل ميلاد المسيح عليه السلام، بعد معاركهم الطاحنة مع «حنا بعل» وإحراق قرطاجة والسيطرة على الشمال الإفريقي وإطلاق تسميات موريتانيا على أجزاء منه في المنطقة الجغرافية التي تشمل مناطق شاسعة من المغرب العربي الحالي.
كان شعب المور مميزًا في صفاته حسب الرحالة والمؤرخين، رغم اختلافهم في طريق هجراته وأصوله، وميلهم إلى أن أغلبه قادم من اليمن، ومن هجرات فينيقية، إلى جانب سكان أصليين يتميزون بصفات الإنسان الذي سكن منطقة الصحراء والسفانا، إلا أن هؤلاء المؤرخين والرحالة القلة اتفقوا على إطلاق بعض الصفات المميزة لهذا الإنسان بعد أن أنضجته الصحراء في أتونها، حيث قالوا إنه عرف بالقدرة الفائقة على التكيف مع الصحراء، وأنها باحت له بأسرارها عبر الأزمنة، ونوهوا بصبره الذي لا يقل شأنًا عن صبر الجمال التي يتخذها سفنًا لصحرائه. كما عرف عن هذا الإنسان اتصافه بصلابة عوده في القتال، والذكاء الحاد، والقيافة، وتوسم الأنواء، والمهارة التجارية، وتسيير القوافل الكبيرة عبر مسالك الصحراء المهلكة من الشمال إلى الجنوب ومن الجنوب إلى الشمال.
هذا الشعب القديم الذي سميت به البلاد حينًا من الدهر، عرف لاحقًا مع المرابطين وبعد المرابطين بتسميات أخرى مثل: الملثمين، والمرابطين، وصنهاجة.. وكان ذلك بعد دخول الإسلام مبكرًا إلى هذه الأرض، في المائة الأولى للهجرة، على الأرجح، ثم نشوء دولة المرابطين في الحيز الترابي ابتداء من مطلع القرن الرابع الهجري.
بعد سقوط دولة المرابطين في المغرب على أيدي الموحدين استمرت الدولة المرابطية متماسكة شيئًا ما لقرون لاحقة، ثم تحولت لاحقًا إلى مشيخات وأنظمة اجتماعية وإنتاجية، متأثرة بنظم الدولة المرابطية لم تنتهج نهج الدولة المرابطية في أول عهدها عندما كانت على شكل زاوية مرابطة، مقيمة في جزيرة تدعى «تيدره»، بقيادة المعلم عبدالله بن ياسين.
وإذاكان بعض المؤرخين المحدثين يعتقدون أن تلك جزيرة الرباط الأول، الذي نال منه المرابطون تسميتهم، كانت شمال العاصمة الموريتانية الحالية، فإنني أميل إلى قول آخر يفيد أنها موجودة في منطقة «الزيره» قرب شاطئ نهر صنهاجة (النهر السنغالي حاليًا)، حيث تتوفر المياه العذبة وتتطابق صفاتها مع صفات الجزيرة التي وصفها المؤرخون، إذ تدور بها المياه في فصول من السنة، وهي مناسبة للإقامة الدائمة، بينما لا يمكن أن تعيش أية مجموعة بشرية مهما كانت صلابتها في مكان لا توجد فيه مياه عذبة.
لذا أستبعد الفرضية القائلة بأن جزيرة «تيدره» الحالية هي مكان الرباط الأول للمرابطين.
أما التسمية التي هي حجة القائلين بالرأي الأول فهي تدل في الصنهاجية على المقبرة، فأي مقبرة حيث كانت تدعى «تيدره»، ولذلك قد يكون اللبس الحاصل في أذهان بعض المؤرخين المحدثين نتيجة توارد في التسمية الحالية، فالصفات الطبيعية والجغرافية للمكان الذي التأم فيه أول رباط، ينطبق على شبه الجزيرة الموجودة في أقصى الجنوب الغربي من موريتانيا على شاطئ نهر السنغال (الزيرة)، مما يرجح احتمال سقوط الاسم عنها عبر التاريخ؛ بينما تحتفظ الجزيرة الموجودة شمال نواكشوط بالتسمية الملتبسة، التي قد لا تعني أكثر من أنها مكان مقبرة من المقابر الكثيرة.
إن القرائن كلها تجعل احتضان جزيرة «تيدره» الحالية لأي حياة بشرية مستقيمة أمرًا مستحيلًا، فلا مياه إلا مياه المحيط الأطلسي المالحة، والجزيرة متصفة بالجفاف والقحولة، وندرة الأمطار، وهي أمور يستحيل معها أي تجمع بشري قار في التاريخ.
الهوية التاريخية
بدايات الوحدة والتشكل السياسي
كانت البداية المرابطية الصحراوية هي أولى لبنات تشكل الدولة الموحدة ذات الكيان السياسي، كما أنها أولى التجسيدات الفعلية للوجود العربي الإسلامي المعروف والمتواتر لما يعرف بالدولة ذات السلطان الواحد، حسب ما يستشف من كتاب «الإشارة في تدبير الإمارة» لمحمد بن أبي بكر الحضرمي المرادي الذي كان قاضي المرابطين في عاصمتهم الوسطى «أزوغي» وتوفي فيها 589هـ. (أزوغي، تعني بالصنهاجية، إما المتاب: مكان التوبة، وإما مركز الحكم).
كان نشوء كيان الدولة المؤسس تاريخيًا، ضمن فضاء مفتوح توجد على تخومه الجنوبية ممالك زنجية مثل غانا في أقصى الجنوب الشرقي من موريتانيا حاليًا، وممالك وثنية ولفية في السنغال حاليًا، وقد عرفت الدولة المرابطية في موريتانيا أكثر من عاصمة فلئن كانت العاصمة الأولى -حسب المؤرخين- هي مدينة «أزوكي» بجبل صنهاجة،«آدرار» حاليًا، مقابل عاصمتهم الشمالية «مراكش». فإن عواصم أخرى ظهرت في التاريخ لنفس الدولة مع تمدد هذه الدولة إلى الجنوب والجنوب الشرقي من موريتانيا حاليًا، وكانت مدينة «تغذ أوغست» (الجنوبية، بالصنهاجية) في الوسط الموريتاني، إحدى العواصم، ثم «كومبي صالح» في الجنوب من البلاد حاليًا، مما يعني ارتحال العاصمة مع زحف الصحراء جنوبًا، إلى جانب عوامل أخرى جيوبوليتيكية وتجارية.
وقد أطلقت تسميات مختلفة بعد تلاشي الدولة المرابطية من الأرض، حيث أطلق بعضهم «بلاد التكرور» على أجزاء منها، مثل صاحب كتاب «فتح الشكور في علماء التكرور» وأطلق البعض الآخر التسمية التي عرفت للأرض الموريتانية في المجالين الغرب أفريقي والمجال العربي الإسلامي، حيث سموا بالشناقطة نسبة إلى شنقيط، المدينة الأثرية التي كانت منطلقًا للركب الحجي، ومحطة رئيسة للقوافل التجارية الكبيرة الجوابة للصحراء والساحل.
ولا شك أن عوامل عديدة لعبت دورها في ارتحال العاصمة المرابطية كما ذكرنا آنفًا، من أهمها العامل المناخي، حيث يعتقد أن سبب خراب «تغذ أوغست» تحديدًا كان شح المياه، وجفاف الآبار في المدينة. كما أن تبدل قيم المواد وأهمية تجارة الذهب، وطرق القوافل أثرت تأثيرًا متتاليًا في تشكيل خريطة المدن الموريتانية حينها، كما لم يزل لزحف الصحراء أثره المشاهد إلى اليوم على خراب المدن من سكانها بسبب قساوة زحف الصحراء، على بعض المدن، وسهولة العيش في بعضها الآخر، مما يحول السكان تدريجيًا إلى المدن الساحلية الكبرى مثل نواكشوط العاصمة الحالية للبلاد، ومدينة نواذيبو العاصمة الاقتصادية، أو في المدن الآمنة من زحف الصحراء على شاطئ نهر السنغال، والمدن الريفية الداخلية في الوسط والشرق. فإذا كانت الظروف المناخية تخلق هذا التحيز السكاني رغم تطور وسائل النقل، وتوفر وسائل العيش المستقر حتى في المدن الصحراوية فكيف لا يكون الأثر أبلغ في الماضي؟
نظرة في الهوية التاريخية
حسب المعطيات المتوفرة حتى الآن يبدو أن التاريخ المرابطي (التاريخ المؤسس لكيان الدولة الموريتانية) قد وقع في هوة بين نوعين من المؤرخين:
أولًا: مؤرخو الدويلات في الأندلس:
إذا كان مؤرخو الدويلات بالأندلس قد أعجبوا بقوة شكيمة المرابطين وقدرتهم على هزيمة الفرنجة، فإنهم نفروا من جلافة هؤلاء المقاتلين الملثمين، وبعدهم عن التمدن ورقة الطباع التي تميز بها الأندلسيون، رغم ما جرت عليهم من هوان، فكتب مؤرخو الدويلات هؤلاء عن المرابطين من منطلق التنافر في الأذواق والطباع، ولذلك لم ينصفوهم، ولم يبذلوا الجهد الكافي في فهم حياتهم وعاداتهم وتقاليدهم، كما هي.
ثانيًا: مؤرخو الدولة الموحدية:
اجتهد مؤرخو الدولة الموحدية في كتابة تاريخ مجحف بالمرابطين، ابتداء من مطلع القرن السابع الهجري، بداية الدولة المهدية (المهدي بن تومرت) التي حاربت الإرث المرابطي بكل ضراوة، ولم يشذ مؤرخو المرحلة عن هذا المسار كما يتضح من خلال قراءة ما تركوه.
إن هذا الوضع البيني لتاريخ المرابطين يسمح لنا بالقول إن تاريخهم -الذي هو في نفس الوقت- فاتحة تشكل أول نظام سياسي جامع أعطى للبلاد الموريتانية صفة التوحد الثقافي، والشخصية الحضارية، وهيأ للتوحد الديني والمذهبي، والسياسي- ضاع بين العدوتين (الدولياتية والموحدية).
ومع ذلك يمكننا أيضًا أن نجزم بأن الصحراء الموريتانية مثلت محمية طبيعية للدولة المرابطية ونظمها الاجتماعية، وطرائقها في الفتوح، بعد قضاء الموحدين عليها في الأندلس والمغرب، حيث حافظت على وجهتها الجنوبية إلى إفريقيا السوداء، في نشر الإسلام وعلوم العربية.. وهي عادة اكتسبها الموريتانيون إلى يومنا هذا، بفارق وحيد هو أن الدعوة أصبحت سلمية وعن طريق التجار ومشائخ الدعوة، والعلماء، ولم تعد فتحًا بالسيف وأعراف الخيل وسنابكها.
موجة الهجرة الحسانية الهلالية إلى موريتانيا
فاتحة الصراع على المرجعية السياسية وتشكل الإمارات
خلال القرن الثامن الهجري بدأت هجرات الهلاليين الزغبيين، وبني حسان، تصل إلى موريتانيا، بالتدريج، قادمة من أحواز مراكش والجزائر عبر خطين: ساحلي وصحراوي، وأخذت هذه القبائل في الاستقرار، حيث طابت لهم البلاد لتشابه تضاريسها مع تضاريس بلاد الهجرة الأولى، وقد أدى هذا الاستقرار إلى احتكاك القبائل الوافدة بقبائل الزوايا الصنهاجية الأصلية منها، والقبائل المهاجرة من الأندلس بعد هزيمة المسلمين هناك وخوفهم من عبور القشتاليين الإسبان للعدوة الدنيا والتنكيل بهم، كما فعلوا في غرناطة وغيرها، فاحتموا بالصحراء لتأمين أنفسهم.
أثناء هذا الاستقرار وقعت نزاعات عديدة بين السكان السابقين والوافدين الجدد، وقد كان أهم احتكاك حفظه المؤرخون، وكان له تأثير تأريخي ملحوظ على المراحل اللاحقة من حيث التشكل الاجتماعي والسياسي للبلاد، وهويتها الثقافية، ذلك الاحتكاك الذي بين المغافرة من بني حسان بقيادة هدي بن أحمد بن دامان المغفري التروزي، وبين مجموعة كبيرة من قبائل الزوايا، بقيادة الإمام ناصرالدين الشمشوي. وقد انتهت الحرب التي سميت «شر ببه» (حرب ببه) وببه هذا اسم شخص غني نشبت الحرب بسببه في سبعينيات القرن الحادي عشر الهجري، وكرست تقسيمًا معينًا أصبحت فيه السيادة السياسية للمغافرة، على حساب قبائل الزوايا و أبناء عمومة للمغافرة هم أبناء رزق، حيث انزاح الرزقيون جنوبًا وعبروا النهر السنغالي بعد معركة «انتتام» سنة 1040هـ، أي قبيل حرب الزوايا والمغافرة بأكثر من عقد من الزمن.
وقد أسس المغافرة –بعد أن استتب لهم الأمر- أربع إمارات، شغلت –إلى جانب إمارة صنهاجية واحدة ابتداء واثنتين انتهاء- الحيز الترابي الموريتاني الحالي بإضافات ترابية في المناطق المجاورة من مالي والسنغال.
والإمارات المتشاكلة في بنيتها السياسية وأنظمتها الإنتاجية والاجتماعية هي: إمارة الترارة في الجنوب الغربي، إمارة البراكنة في الجنوب الأوسط، إمارة أولاد مبارك في أقصى الشرق و الجنوب الشرقي، وإمارة يحي بن عثمان في الشمال. وقد بقيت الإمارة الصنهاجية الوحيدة في وسط البلاد حينها، رغم جهود المغافرة في محاولة القضاء عليها، لكنها ظلت صامدة إلى النهاية، و الإمارة هي إمارة إدوعيش، التي أسسها أحفاد أبي بكر بن عامر اللمتوني المرابطي، خاصة منهم ذرية أعمر بن محمد بن خونا.
استمر التقسيم السياسي للبلاد على هذا النحو بين الإمارات المغفرية والإمارة الصنهاجية باستثناء واحد، هو اختفاء إمارة أولاد مبارك على أيدي أهل المحيميد (مشظوف)، المنحدرين من إمارة إدوعيش المرابطية، حيث أسس أحمد محمود بن امحيميد إمارة جديدة بعد استيلائه على الحوض في سنة 1272هـ، 1861م، في معركة حاسمة انتصر فيها على آخر أمراء أولاد مبارك هناك.
أما الإمارات الأخرى فقد استمرت حتى دخول الاستعمار الفرنسي إلى موريتانيا ابتداء من سنة 1902م، على يد المستعمر كبلاني، الذي أطلق الاسم الحديث القديم «أرض البظان» أو «موريتانيا» على البلاد. وقد قتل كبلاني هذا من طرف الشريف سيدي ولد مولاي الزين وكوكبة من أهل التناكي من قبيلة إديشلي، وذلك في مدينة «تيجكجه» سنة 1905م، وكان ذلك أول تتويج بارز لجهد مقاومة الاستعمار كما كان إذكاء لنارها في جميع أنحاء البلاد إلى غاية سنة 1934م.
تأصيل الهوية
مقاومة عسكرية ومقاومة ثقافية
عند دخول الاستعمار نشبت مقاومة حربية ضارية، خاضتها مجموعات كبيرة من الموريتانيين، من قبائل الشوكة أو ممن حمل السلاح لمقارعة هذا الاستعمار، رغم أنه ينتمي للزوايا، وكان من أبرز هؤلاء الشيخ ماء العينين بن الشيخ محمد فاضل القلقمي، وأحمد ولد الديد التروزي، وبكار ولد اسويد أحمد أمير تكانت في حينها و الذي استشهد في معركة «الأبيض» مع الفرنسي افرير جاه سنة 1905م، وسيد أحمد ولد أحمد عيده أمير «آدرار» من أبناء يحيى بن عثمان، الذي استشهد في معركة «وديان الخروب» ضد الفرنسيين سنة 1932م، والشيخ ولد عبدوك المشظوفي في ظهر النعمة بالشرق الموريتاني، وعلي ولد مياره الرقيبي في تيرس، وغير هؤلاء كثير.
وشهدت البلاد مقاومة من نوع آخر للاستعمار الفرنسي صمدت بعد إسكات الفرنسيين للمقاومة العسكرية، وهي المقاومة الثقافية، حيث استطاع المجتمع الموريتاني أن يخلق آلية للعيش في مجاله الخاص دون الاستناد إلى الفرنسيين في تلبية أي من احتياجاته الأساسية وحتى الثانوية.
وفي هذا الصدد احتفظ الموريتانيون بقضائهم الشرعي الأهلي لفض المنازعات وحفظ الحقوق أيًا كانت طبيعتها، وبذلك وقع الاستغناء عن القضاء الذي نصبه الفرنسيون في الغالب، رغم وجود قضاة موريتانيين شرعيين نصبهم الفرنسيون في المدن والاستحكامات التي أنشؤوها أحيانًا.
وفي مجال الطب استمر الاعتماد على طب أهلي تقليدي يمارس الجراحة والتطبيب بالأعشاب بصورة جيدة، وتمت مقاطعة المستشفيات والمستوصفات الفرنسية، ولذلك تطور الطب التقليدي الموريتاني وعرفت فيه مدارس ذائعة الصيت مثل مدارس: أهل أجود، وأهل أوفى، وأهل المقري، وغيرهم.
وفي مجال التعليم تم الاستغناء بالتعليم المحظري عن التعليم الفرنسي، وقد عرفت البلاد الموريتانية تجربة نادرة في هذا النوع من التعليم، حيث واصل المجتمع الاعتماد على مناهج التعليم التي كانت متداولة قبل دخول الاستعمار وكأن شيئًا لم يكن، وكان ثمة نظام كفالة اجتماعي للطلاب، وثمة مستويات عديدة من التعليم، من أدنى المستويات إلى أعلاها، فازدهر تدريس علوم العرب والمسلمين ولم يتراجع كما خطط لذلك الفرنسيون. وكان من المثير للانتباه ذلك الاهتمام المتفاوت لدى المناطق الموريتانية بالاختصاص في هذه العلوم عبر التاريخ. من ذلك مثلًا: اهتمام سكان المناطق الشرقية والوسطى بعلوم القرآن قراءة وتفسيرًا، فأتقنوها إتقانًا، وتعاطوا مع العلوم الأخرى باهتمام أقل؛ بينما ارتكز اهتمام المناطق الجنوبية الغربية والغربية الساحلية على علوم العربية صرفًا ونحوًا، كما اهتموا بعلوم البلاغة والبيان، وعلوم البرهان، والفلك والجغرافيا والجبر، والتاريخ، وانتشر فيهم الشعر أكثر من انتشاره في المناطق الأخرى. ومن هذا الانتشار جاءت التسمية التي أطلقها بعض النقاد العرب على موريتانيا بعد اكتشافهم للحركة الشعرية فيها مطلع القرن العشرين بأنها بلاد المليون شاعر، واعتبرها بعضهم حلقة مفقودة في تاريخ الأدب العربي، انبهارًا بشيوع الشعر في هذه البلاد، سواء كان شعرًا فصيحًا أو شعرًا شعبيًا بالحسانية. وقد كان لنشر الوسيط في تراجم أدباء شنقيط بداية القرن العشرين في مصر، وضعف الشعر العربي حينها، وكون أغلب الشعر القوي في هذا الكتاب كان من قرض أدباء القرن الثاني عشر والثالث عشر الهجريين أدى إلى الإعجاب بالشعر الشنقيطي على ذلك العهد. وقد أسهم علماء شناقطة في تهيئة أمهات الكتب العربية كالأغاني والقاموس المحيط، وصبح الأعشى، ولسان العرب لابن منظور، للتحقيق والتصحيح والنشر، ودواوين شعرية عربية كثيرة حيث كان بعضهم يحفظ هذه الكتب الضخمة في ذاكرته، فكان الباحثون الأوائل، وسدنة الأدب والشعر يلجؤون إليهم أثناء رحلات الحج، أو خلال تدريسهم في المعاهد والجامعات العربية العريقة والمساجد، فكان لهؤلاء الشناقطة حضور مميز في مجامع الحرمين، والجامع الأزهر، والعراق، والأستانة عاصمة الدولة الإسلامية، ودمشق، والقرويين، وجامع الزيتونة، والأردن، ووصل الترحال ببعضهم إلى رئاسة مجلس بعثة علماء الدولة العثمانية في سفارة إلى ملك السويد حينها. وقد ذكر كتاب بارزون من بينهم طه حسين ومحمد عبده تأثير هؤلاء الشناقطة على الحركة العلمية والأدبية في زمنه.
عرف الموريتانيون صنفًا آخر من المقاومة الثقافية، وهي مقاومة القيم والعادات الاستعمارية حيث احتفظوا بنمط أخلاقي ينأى عن أي تقليد للفرنسيين، رغم كل الإغراءات التي أتاحوها واستدرجوا إليها من وصلت إليه أيديهم فلم يفلحوا. وترتبت على هذه القطيعة الأخلاقية قطيعة اجتماعية فوجد الفرنسيون ومن ينخرط في سلكهم الإداري أو العسكري، أنفسهم، في عزلة اجتماعية مطبقة لم يستطيعوا كسرها إلا في استثناءات قليلة تثبت القاعدة.
وفي النهاية كانت العلاقة التي رضخ لها الاستعمار هي العلاقة الجبائية، والتي كان الموريتانيون يخضعون لها على مضض عبر نظام وسطاء، ممقوتين، يأخذون العشر على قبائلهم باللتيا والتي.
لكل هذه العوامل لم يستطع الاستعمار أن يخترق الهوية الثقافية الموريتانية العربية الإسلامية، رغم محاولاته الكثيرة، واحتياله، ووشايته بين المكونات الثقافية الموريتانية من عرب وأقليات زنجية، ولقد شهد التاريخ لهذه الأقليات بشجاعة نادرة في الاحتفاظ بدينهم الإسلامي، وبتدريسهم للعربية، وكتابتهم للغاتهم الشعبية بالحرف العربي، وقد وصل الأمر إلى حد قيام ضباط فرنسيين بإحراق أكثر من عشرين مكتبة يملكها علماء من هذه القوميات نكاية بهم لانشغالهم بالعربية وعلوم الإسلام، حيث كانوا يتصورون أن إسلامهم رقيق بحيث يمكن التأثير فيهم بالتبشير، كما نجحوا في ذلك داخل بعض القبائل الوثنية في السنغال وبلاد أخرى من غرب إفريقيا.
وقد استمرت القوميات الزنجية الموريتانية على نهجها الإسلامي، وأصرت على كتابة لغاتها بالحرف العربي، وهو ما استمر إلى غاية إصلاح التعليم الموريتاني سنة 1981م في عهد الرئيس الموريتاني الأسبق محمد خونا ولد هيداله الذي سمح بكتابة هذه اللغات بالحرف اللاتيني، وهي لغات:(السوننكي، والبولار، والولوف)، مستجيبًا لضغوط بعض المتفرنسين الأفارقة، الذين سعوا للفصل بين القوميات الإفريقية وفضائهم العربي الإسلامي، دون أن ينجحوا في هذا المسعى إلى يوم الدنيا هذا.
التنوع القومي في موريتانيا
تتساكن في موريتانيا أربع قوميات هي القومية العربية، والقومية السوننكية، والقومية البولارية، والقومية الولفية.
أولًا: القومية العربية:
وهي المجموعة الناطقة بالحسانية. والحسانية لهجة بني حسان، وهي لهجة عربية بدوية قحة، استطاعت أن توحد المجموعات التي تسمى البياضين، وهم من بيض وسمر، وقد استطاعت هذه اللهجة أن تقضي بالتدريج على اللغة الصنهاجية التي كان يتداول بها عدد كبير من الموريتانيين إلى عهد قريب، وبدأت تختفي من الألسنة التي كانت تنطق بها. وقد دمجت هذه اللهجة بعض المصطلحات والأوزان الصرفية الصنهاجية في لحمتها التداولية، فغلبت المصطلحات الصنهاجية على أسماء الأماكن، وبعض الأشجار، وأسماء الحيوانات، التي لم تكن موجودة في الفضاء العربي، أما البقية من المصطلحات فهي عربية فصيحة، وتمثل حوالي 80٪ من مصلحات الحسانية.
تبلغ القومية العربية الناطقة بالحسانية حوالي 84% من التعداد الإجمالي للسكان الموريتانيين.
تتألف هذه القومية عرقيًا من قبائل ذات أصل عربي، وأخرى ذات أصل صنهاجي، وأخرى ذات أصول زنجية صنهاجية مختلطة.
كان يسود في هذه المجموعة نظام اجتماعي حرفي الانتماء، فكل من حمل السلاح صنف في قبائل الشوكة، وأضيف لصف الإمارة السياسية أيًا كان أصله العرقي. وكل من حمل القلم والدواة والقرطاس عد من قبائل الزوايا أيًا كانت مجموعته الأصلية. وكل من احترف الصنعة كالخراطة والصياغة والحدادة والنجارة.. عد من فصيلة الصناع، وكل من امتهن الرعي وتنمية المواشي وترك السلاح والتعلم عد من فصيلة الرعاة. وكل من امتهن الزراعة بالسخرة أو بالأجر عد قنًا.
وقد تلاشت هذه البنية الاجتماعية الآن ولم يبق منها سوى بعض العادات والتقاليد المتلاشية، حيث غلبت على المجتمع علاقات من نوع جديد هي العلاقات المدنية العصرية.
تسود في هذه المجموعة عادات اجتماعية من بينها العزوف عن تعدد الزوجات، واحترام المرأة، ومشاركتها في الحياة النشطة، قديمًا وحديثًا، حيث تعتبر في غالب الأحوال امرأة عاملة، تنسج الخيام، وتقوم على بيتها في غياب رب الأسرة، ويسمح لها بالتعلم إلى أن تصل إلى أعلى الدرجات سواء في المجتمع التقليدي أو المجتمع المعاصر.
تغلب على العادات الاجتماعية الموريتانية طبيعة المحافظة، والاعتزاز بالعادات والتقاليد الخاصة بهم، وهي مسألة ترجع حسب الاستقراء التاريخي إلى صعوبة التكيف مع الطبيعة، والأخطار المحدقة بالإنسان عندما يخطئ في تقدير أي أمر داخل وسط صحراوي شحيح الموارد، أغلب أخطائه قاتلة، ولا يسمح فيه للفرد بالخروج على المجتمع، وإلا عوقب بالنفي والعزلة الاجتماعيين.
لهذه المجموعة البشرية آدابها العربية والشعبية الفصيحة، وتتميز ثقافتها الشعبية خاصة بالثراء والتنوع، وسعة الخيال، كما تحوي ملخصًا للتجارب والحكمة الخاصة بهذه المجموعة. إضافة لفن موسيقي مشبع بالألحان والنغمات.
القومية البولارية
تعتبر هذه القومية من أكثر القوميات الزنجية الموريتانية عددًا، وهي مجموعة قومية تتكلم «البولارية»، وتنقسم إلى صنفين: الفلان، وهم قبائل يعتمدون على رعاية البقر وتنميته، وهم رحل في الغالب، رغم استقرارهم المؤقت في بعض الأكواخ والتجمعات. وهؤلاء يقولون إنهم من القبائل الحميرية القديمة، عن طريق انتمائهم لبعض قبائل لمتونه، وتعرف هذه المجموعة بالأنفة، وقوة الشكيمة، والأخذ بالثارات، ويميل بعض الإتنولوجيين إلى أنهم ينتمون للعنصر النيلي.
أما المجموعة الثانية فهي مجموعة «الهال بولار»، وهم سكان القرى والمدن، وينقسمون اجتماعيًا وسياسيًا نفس التقسيم النمطي للقومية «المور» (البياضين)، حيث توجد فيهم مجموعتان هما مجموعة «تورودو» وهم يشغلون وظيفة الزوايا، في المجتمع العربي الموريتاني، ومجموعة «الهاليبه» ويشغلون وظيفة المحاربين لدى جيرانهم.
أما التقسيمات الحرفية الأخرى فهي موجودة فيهم بنفس النمط وصور العلاقات الاجتماعية، باستثناءات في العادات والعلاقات الاجتماعية الأسرية، حيث يسود في هذه المجموعة نظام تعدد الزوجات على نطاق واسع، كما يشيع فيهم نوع من عدم احترام المرأة وتقديرها، غالبًا.
لهاتين المجموعتين أدب شعبي يصاحب الموسيقى، يحذو حذوها، ويتماشى معها.
تميل هذه المجموعة إلى ممارسة الصيد النهري وزراعة الأرض، والتجارة. ويعرف عنها نوع من الاعتداد بالنفس والنبل الأخلاقي، وعدم التسامح مع الخصوم.
وتنتمي هذه المجموعة عرقيًا –حسب الإتنولوجيين- للجنس الزنجي الغرب إفريقي الذي تنتمي إليه قومية «الولوف»، خلافا لإخوتهم في اللسان (الفلان)، ويتضح ذلك في الفروق الواضحة بين الطرفين في لون البشرة وتقاسيم الوجه.
قومية «السوننكي»
هي قومية إفريقية متقادمة في البلاد، رغم أنها هي القومية الزنجية الثانية في موريتانيا. وهي قومية ناطقة بلغة تختلط فيها الصنهاجية والآزيرية، لكنها مع ذلك لغة مستقلة عن اللغتين.
ولهذه القومية علاقات قوية تاريخيا بالقبائل الصنهاجية، حيث يعتبرون أنفسهم من بين هذه القبائل مع سحنتهم السوداء.
وتتميز هذه المجموعة بخصائص عديدة من بينها: المسالمة، والإخلاص في العمل، والصدق، والصرامة في صرف الأملاك، والميل للمحافظة على العادات إلى درجة الانغلاق على الذات أحيانًا، والخبرة الفائقة في التجارة، ولهم عادات وتقاليد أبوية مفرطة في تقدير عامل السن خاصة لدى الرجال، مع انتهاج نظام عائلي صارم لا يحيد عنه كبير ولا صغير. ومن المسائل الخاصة بالسوننكي صعوبة اللغة، حيث يتعلمون هم لغات القوميات التي تساكنهم، بينما لا تستطيع هذه القوميات أن تعرف لغتهم.
قومية «الولوف»
هي القومية الزنجية الثالثة، وتتميز هذه القومية بالانفتاح على الآخر، وعدم الانغلاق على الذات، ولغتها لغة بسيطة التراكيب، قليلة المصطلحات، مما يجعلها سهلة التعلم من طرف غيرهم.
وهذه المجموعة تنتمي لنفس العرق الذي ينتمي إليه البولار رغم الاختلاف الواضح في الطبائع والعادات والتقاليد، ويعرف عنهم المرح، وحب الاطلاع، وطيب المعاشرة والمعايشة، وبياض الجنان.
يعتمدون في حياتهم على الزراعة والصيد في المحيط الأطلسي وضفة النهر السنغالي، ولديهم منظومة أخلاقية أبوية التوجه، تميل لعدم الاعتراف بمكانة مرموقة للمرأة، وليس لهذه المجموعة القومية تقسيم حسب السلاح والعلم، وقد انتشر الإسلام بين أوساطها عن طريق التصوف أكثر من غيرها من القوميات، وكانت حديثة العهد نسبيًا بالوثنية رغم النقلة النوعية التي اكتسحتها في انتشار الإسلام بين أوساطها، وتعتبر المجموعة الموريتانية من هذه القومية امتدادًا لعمق سكاني كبير لها في السنغال.
هذه القوميات الزنجية الموريتانية الثلاث، وهي مسلمة مائة بالمائة، ومن بين المنتسبين إليها علماء أجلاء في الشريعة الإسلامية وعلوم العربية، وشيوخ صوفية كبار، نشروا الإسلام في غرب إفريقيا، وقضوا على الوثنية المنتشرة فيها ووفقوا في ذلك توفيقًا كبيرًا.
خصائص وإسهامات موريتانية
إذا تساءلنا عن الإضافات والإسهامات التي تخص الموريتانيين في فضائهم العربي الإسلامي فيمكن أن نوجز ذلك في النقاط التالية:
كتابة رغم الارتحال
استثناء للقاعدة الاجتماعية التي تقول إن البدو الرحل يكونون أميين في العادة، فإن الموريتانيين كانوا يكتبون ويؤلفون وهم ينتجعون المراعي، ولا يقيمون في مكان واحد أكثر من أسبوع، على مدار السنة، إلا نادرًا.
وإذا عدنا إلى تفاصيل الحياة اليومية لهؤلاء البدو لاحظنا انهماكهم في القراءة والكتابة والتعليم جل الوقت، خاصة بالنسبة لغالبية السكان وهم الزوايا، كان منصبًا على القراءة والكتابة والحفظ. ولذلك كانوا يتحدثون عن الرجل يذهب في أثر إبله ولوحه في يده، ينظر فيه تارة، وينظر إلى آثار إبله تارة دون أن يضيع أيًا منهما، وهو يحفظ درسه أو يراجعه.
إن حالة الكتابة هذه قد تكون على الأرجح حالة استثنائية، أسهم بها الموريتانيون في إثراء التجربة الحضارية العربية الإسلامية على نحو لا لبس فيه.
قوة حفظ لافتة للانتباه
لقد شحذت عادات التعليم المحضري وأساليب التربية الخاصة، وندرة الأوراق للكتابة، وسهولة تلفها، والإشفاق من ضياع العلوم العربية الإسلامية في بيئة صحراوية قاسية.. شحذت ملكة الحفظ الأسطورية أحيانًا عند الشناقطة، حيث إن من بين هؤلاء من حفظ الجامع لابن يونس في الفقه المالكي، وتفسير ابن كثير، والطبري، وفتح الباري على صحيح البخاري، ولسان العرب، لابن منظور، والقاموس للفيروزآبادي، ودواوين لشعراء كثر، كل ذلك في ذاكرة الرجل الواحد، يذهب بها ويعود، لا يسأل عن شيء منه إلا استحضره.
وكان بعضهم إذا سمع عن كتاب ولم يحصل على عاريته من صاحبه لجأ إلى حفظه على دفعات ونسخه.. وقد أدركت أنا شخصيًا بعض هؤلاء الحفاظ ولا أزال أعجب كيف حفظوا ما حفظوه؟ ومتى حفظوه بهذه العارضة النادرة؟
شعر قوي في فترة انحطاط عام
من المعطيات التاريخية أن فترة الانحطاط الشعري قد امتدت من نهاية العهد العباسي إلى بداية النهضة العربية الحديثة مع شعراء أمثال البارودي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم والرصافي.
لكنني أدعو متذوقي الأدب العربي ونقاده إلى قراءة المدونة الشعرية الموريتانية، التي كانت في أوج عطائها خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، الثاني عشر والثالث عشر الهجريين، وقد نشر جزء بسيط من هذه المدونة في كتاب «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط»، الذي اعتمد فيه أحمد بن الأمين الشنقيطي على ذاكرته، ونشر في مطلع القرن العشرين بالقاهرة، واطلع عليه الجميع هناك.
ما أطالب به نقاد ومؤرخي الأدب العربي الحديث هو أن يقوموا هذه المدونة ويحكموا بعد ذلك، وأعتقد أن الاستنتاج الذي سيحصل في أذهانهم عندها، سيكون بلا شك هو نفس الاستنتاج الذي وصل إليه بعض من اطلعوا على فنيات هذا الشعر فقالوا إن الشعر الموريتاني مثل تجربة مبكرة للعودة إلى الشعر العربي في أوج قوته، حيث استعاد هذا روح القوة الشعرية التي سادت في العهد الجاهلي وصدر الإسلام والعباسي، قبل تجربة رواد شعر النهضة لاستلهام هذا المنبع.
وثمة أكثر من دليل وقرينة على اطلاع أولئك الرواد على مدونة الشعر الموريتاني، خاصة في المعارضات الشوقية وجزليات البارودي، حيث كان هذا الأسلوب سائدًا عند الموريتانيين قبل ذلك بأزيد من مائة وخمسين سنة، وورد ذلك في كتاب الوسيط المعروف لدى المشارقة.
قد يقول قائل إن الشاعر قد يقع على الشاعر، ولا بأس بذلك، لكن تقويم التجربة الموريتانية يؤول في النهاية إلى أنها إسهام ملحوظ ومبكر في العودة إلى منابع الشعر العربي في قوته، والعدول عن محاكاة أدب الانحطاط، هذا على أقل تقدير.
وعلى كل حال فإن النصوص متوفرة ويمكن الاحتكام إليها، وأدع الحكم في ذلك لمن يشاء، فربما يكون غيري أكثر تأهيلًا للحكم المميز في الأمر.
ثقافة شعبية عالمة
إذا عدنا إلى الثقافة الشعبية الموريتانية فسنلاحظ دون عناء أنها تحوي أغلب مضامين ومفاهيم العلوم الإسلامية والعربية، حيث نظموا هذه العلوم بالتفصيل في شعرهم الشعبي، أو خلدوها في أمثلة، ولذا ترى الأمي الأبجدي القادر على سرد سيرة ابن هشام، وأنساب العرب، لأنه يحفظها في أدبه الشعبي، كما يحفظ قواعد النحو، وأسس المقرأ والتجويد القرآني، ومعضلات الفقه المالكي السائد في هذه الأرض، والعقائد الكلامية.. وغير ذلك.
إن هذه الثقافة الشعبية تعتبر بهذا المعنى عالمة نتيجة المضمون المبثوث داخلها، والذي يسهل حفظه على أي كان.
ولذا فإننا نعتبرها إضافة موريتانية للثقافات الشعبية العربية، الخالية في الغالب من هذا البعد العلمي الإسلامي الدقيق.
فقه للبادية
إذا كان الفقه عادة صناعة مدنية، فإن الموريتانيين بحكم كونهم قد كتبوا في البادية مرتحلين، فإنهم أسهموا كذلك في إثراء الثقافة العربية الإسلامية بفقه نوازل لأحكام البادية، ابتداء من الأحكام السلطانية، وانتهاء بالملزمات الفرضية للأفراد، حيث كانوا بحكم بداوتهم معرضين لنوازل كثيرة.
وقد استطاع فقهاؤهم أن يحصلوا نوعًا من الاجتهاد النوازلي في فقهم، وهو وإن اقتصر على أحكام البادية إلا أنه كان استثناء يذكر لهم من بين أشباههم من سكان البادية في العالم العربي الإسلامي.
مخطوطات في العراء
استطاع الموريتانيون ومن تتلمذ عليهم من الجيران أن يحفظوا كنزًا هائلًا من المخطوطات العربية، في حلهم وترحالهم، لا يكاد يوجد لها مثيل في التاريخ كثرة وتنوعًا، من بينها ما فقد من جميع المكتبات العربية، واعتبر في التوالف من المؤلفات.
وأذكر من هذه المجموعة كتاب «صناعة النحو» لابن رشد فقد احتفظت المكتبات الموريتانية بنسخة نادرة من هذا الكتاب، ولم يعثر لها على أخت في العالم كله.
وثمة مخطوطات نادرة بأقلام مؤلفيها الأصليين. ورغم أنه قد توجد نسخ من هذه المؤلفات إلا أنها ليست مخطوطة بأقلام أصحابها.
هذا أيضًا، إسهام وإثراء موريتاني لكنوز المخطوطات العربية الإسلامية يذكر لهذه البلاد النائية.
ختام الحديث
لقد حاولت خلال هذه المقالة أن أجمع أغلب المكونات المساهمة في بناء الهوية الموريتانية، ضمن إطارها المكاني، وأبعادها التاريخية، ووعيها العملي، ومناهجها الحياتية والتربوية، وأساليب تمثلها للمعارف، وطرائق تكيفها مع الوسط، والأبعاد النفسية والاجتماعية لإنسانها، والمؤثرات الكبرى فيه، وإسهاماته في تشكيل الطيف الكلي للحضارة العربية الإسلامية.
شهدت البلاد مقاومة من نوع آخر للاستعمار الفرنسي صمدت بعد إسكات الفرنسيين للمقاومة العسكرية، وهي المقاومة الثقافية، حيث استطاع المجتمع الموريتاني أن يخلق آلية للعيش في مجاله الخاص دون الاستناد إلى الفرنسيين في تلبية أي من احتياجاته الأساسية وحتى الثانوية
في مجال التعليم تم الاستغناء بالتعليم المحظري عن التعليم الفرنسي، وقد عرفت البلاد الموريتانية تجربة نادرة في هذا النوع من التعليم، حيث واصل المجتمع الاعتماد على مناهج التعليم التي كانت متداولة قبل دخول الاستعمار وكأن شيئًا لم يكن
تبلغ القومية العربية الناطقة بالحسانية حوالي 84% من التعداد الإجمالي للسكان الموريتانيين.
تتألف هذه القومية عرقيًا من قبائل ذات أصل عربي، وأخرى ذات أصل صنهاجي، وأخرى ذات أصول زنجية صنهاجية مختلطة
استثناء للقاعدة الاجتماعية التي تقول إن البدو الرحل يكونون أميين في العادة، فإن الموريتانيين كانوا يكتبون ويؤلفون وهم ينتجعون المراعي، ولا يقيمون في مكان واحد أكثر من أسبوع، على مدار السنة، إلا نادرًا
لقد شحذت عادات التعليم المحضري وأساليب التربية الخاصة، وندرة الأوراق للكتابة، وسهولة تلفها، والإشفاق من ضياع العلوم العربية الإسلامية في بيئة صحراوية قاسية.. شحذت ملكة الحفظ الأسطورية أحيانًا عند الشناقطة
محمد محمد أحظانا - نواكشط
منقول
ومن أحب الاستزادة فليرجع إلي مجلة المعرفة
العدد ( 136) رجب 1427هـ